<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0" xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"><channel><title>قيس العصا</title><description>مباحثات فلسفية وحوسبية وشذرات وخواطر ذهنية</description><link>https://qasawa.com/</link><item><title>كشف التجنّيات والأغاليط على ابن تيمية ونقضُها</title><link>https://qasawa.com/articles/kashf-announcement/</link><guid isPermaLink="true">https://qasawa.com/articles/kashf-announcement/</guid><description>في «الردّ على المنطقيّين» يقرر ابن تيمية أن قياس التمثيل وقياس الشمول سواء: حيث أفاد أحدهما اليقين أفاد الآخر اليقين، وحيث لا يفيد أحدهما إلا الظن لا يفيد الآخر إلا الظن.</description><pubDate>Mon, 06 Jul 2026 00:00:00 GMT</pubDate><content:encoded>&lt;p&gt;بتدقيق صوري لدعوى تكافؤ الأقيسة في «الرد على المنطقيين»&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;في «الردّ على المنطقيّين» يقرر ابن تيمية أن قياس التمثيل وقياس الشمول سواء: حيث أفاد أحدهما اليقين أفاد الآخر اليقين، وحيث لا يفيد أحدهما إلا الظن لا يفيد الآخر إلا الظن. نُقلت هذه الدعوى قرنًا كاملًا في الدرس الحديث، من ترجمة حلاق فصاعدًا، ولم تُوضع قط على طاولة تدقيق صوري. هذا الكتاب أول تدقيق صوري منشور لها. يعمل داخل قطعة المحمولات الأحادية التي يسكنها القياس الحملي الأرسطي، ويقرأ الكبرى قراءةً لزومية هي قراءة صاحبها المنصوصة، فينتهي إلى أن التكافؤ والتحويلية مبرهنتان دلاليًا: صنف النماذج المضادة للقياسين واحد، والشاهد المذكور خامل في مستوى الاستنتاج؛ لكنه حامل في مستوى التسويغ، إذ كل مسالك العلم بالكبرى تمر بالمعينات، وهو ما نصّ عليه ابن تيمية بحروفه تقريبًا وورد نظيره عند أرسطو نفسه في باب المثال. ويبين الكتاب أن استثناءه الوحيد، كلية النص المعصوم، يُشتق من بنية الدعوى اشتقاقًا؛ وأن تصنيف مواد البرهان يلتهم نفسه متى سُئل عن مصدر كلياته؛ وأن الثمن المعلن خروج التسويغ الأخير للكليات من المنطق إلى الإلهيات. فلا ابنُ تيمية اسميٌّ تجريبيٌّ يستبق مِل كما شاع منذ مقدمة حلاق، ولا رائدٌ «يصدّقه» المنطق الحديث؛ بل صاحب نظرية في موضع الشهادة: أين تنتهي الصورة، وأين يبدأ التسويغ.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;الكتاب: &lt;a href=&quot;/books/kashf-altajanniyat&quot;&gt;كتاب كشف التجنّيات والأغاليط على ابن تيمية&lt;/a&gt; — DOI: &lt;a href=&quot;https://doi.org/10.5281/zenodo.21212269&quot;&gt;10.5281/zenodo.21212269&lt;/a&gt;&lt;/p&gt;</content:encoded></item><item><title>هل يتوقف الإنترنت لو انقطعت كوابله؟</title><link>https://qasawa.com/articles/internet-decentralization/</link><guid isPermaLink="true">https://qasawa.com/articles/internet-decentralization/</guid><description>هل يتوقف الإنترت عن العمل لو انقطعت كوابله في أعماق محيطات الأرض؟ للإجابة على السؤال نبدأ بأن عددا لا بأس به -أصلا- من كوابل الإنترنت مقطوعة فعلا الآن…</description><pubDate>Tue, 21 Apr 2026 00:00:00 GMT</pubDate><content:encoded>&lt;figure&gt;&lt;img src=&quot;/photos/nc_21APR2026.jpg&quot; alt=&quot;&quot; loading=&quot;lazy&quot;&gt;&lt;/figure&gt;
&lt;p&gt;هل يتوقف الإنترت عن العمل لو انقطعت كوابله في أعماق محيطات الأرض؟&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;للإجابة على السؤال نبدأ بأن عددا لا بأس به -أصلا- من كوابل الإنترنت مقطوعة فعلا الآن لحظة كتابتي هذه المقالة، وهذي ليست استعارة أدبية أو مبالغة، بل هو واقع موثّق حرفيًّا: فكمعدل متوسط يتعرض 200 كابل بحريّ سنويا للقطع أو التلف، سواء من مراسي السفن، أو الزلازل البحرية، أو من أسماك القرش التي تعشق قضم الكوابل لأسباب لا يعرفها أحد حتى اليوم!&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;فكيف لا يؤثر كل هذا على الإنترنت واتصالاته عالميا على مدّ الكوكب بأسره؟&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;تصوّر معي أنك تقود سيارتك في مدينة ضخمة، ثم تجد الطريق الرئيسي مغلقًا، فتلجأ إلى خريطة تُرشِدك إلى طريق بديل، وما أن يُغلَق ذاك الطريق أيضا حتى تُحيلك الخريطة إلى ثالث، ثم رابع... والوجهة في نهاية المطاف واحدة! هكذا بالضبط يعمل الإنترنت، ولكن بدون خريطة مركزية، ولا قائد يصدر الأوامر، ولا عقل منفرد يُدير المشهد، فكل جهاز توجيه Router يتخذ قراره بنفسه، في الزمن الفعلي، وفي ذات اللحظة.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;القصة بدأت من رحم الحرب الباردة، ففي الستينيات، كان الهاجس الأكبر للجيش الأمريكي: ماذا لو ضرب الاتحاد السوفيتي مراكز الاتصال؟ فولدت فكرة ARPANET، وهي شبكة لا تملك قلبا يمكن طعنه، بمعنى: لا نقطة مركزية واحدة؛ إذا اختفت اختفى كل شيء، وعلى هذه الفلسفة بنينا الإنترنت اليوم، أو إنترنت اليوم.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;ولكن ما السر التقني الذي يجعل هذا ممكنًا؟&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;كل الإنترنت مقسَّم إلى آلاف &quot;الممالك الصغيرة&quot; التي يُطلَق عليها Autonomous Systems أو اختصارا AS، وكل AS تضم شبكة من أجهزة التوجيه، وهنالك بروتوكول واحد يُعدّ العصب الخفي للإنترنت كله، اسمه BGP أي Border Gateway Protocol، وهو اللغة التي تتحدث بها هذه الممالك فيما بينها.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;لنقرّب المعنى أكثر: تصور أنك في ساحة مدينة كبيرة، وكل حيٍّ فيها يملك &quot;مبعوثا&quot; يتنقل بين الأحياء المجاورة ويُعلِن دائما: (أنا أعرف الطريق إلى حيّي، ويمكنك الوصول إليه عبري)، ثم يتناقل المبعوثون هذه المعلومات من حيٍّ لحي حتى تصل إلى أقصى المدينة، هذا بالضبط ما تفعله رسائل BGP: كل AS تُعلن الشبكات التي تستطيع الوصول إليها، وجيرانها يسمعون ويُعيدون الإعلان...وهكذا حتى تعلم كل نقطة في الإنترنت كيف تصل إلى أي نقطة أخرى.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;والجمال الحقيقي يظهر لحظة الكارثة: فحين ينقطع كابل أو يسقط مركز بيانات، لا أحد يُصدر أمرا، ولا قائد يستيقظ، بل تبدأ أجهزة التوجيه المجاورة -على شاكلة تلقائية- بالتوقف عن استقبال تلك الرسائل ثم تُعلن للشبكة: (الطريق من هنا مقطوع!)، فتُعيد كل AS حساباتها وتبحث عن مسار جديد، وفي غضون دقائق، وأحيانا ثوانٍ، يُعاد رسم خريطة التوجيه لكل الإنترنت. الاسم التخصصي الدقيق لهذا هو BGP Convergence.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;ولكن، ماذا لو تعطلت مسارات متعددة في آنٍ واحد؟ هنا يأتي ECMP أي Equal-Cost Multi-Path: فبدلا من مسار واحد، يستطيع الجهاز الواحد أن يُرسل نفس الحزمة عبر عدة مسارات متوازية في نفس الوقت، تماما كأنك ترسل بريدا مهما فتُرسل عشر نسخ منه في اتجاهات مختلفة، فيكفي أن تصل نسخة واحدة!&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;والمفارقة الساحرة أن هذا النظام العبقري ليس له مالِك، أو متحكِّم منفرد، أو غرفة قرار! إذ لا شركة تملكُه ولا حكومة تتحكم فيه، بل هو اتفاق ضمني بين عشرات الآلاف من الشبكات حول العالم أن تتحدث لغة واحدة وتحترم قواعد مشتركة.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;وقبل أن تنتهي: لكل نظام عبقري ثغرته، وثغرة BGP أنه مبني على الثقة العمياء! إذ لا يوجد تحقق من أن من يُعلن &quot;أنا أملك طريقا لهذه الشبكة&quot; هو فعلا صاحبُها، وقد حدث فعلا في عام 2008 أن أعلنت شركة اتصالات باكستانية -عن طريق خطأ أو عمد- أنها تملك طريقا إلى شبكات يوتيوب، فصدقتها معظم شبكات العالم وأرسلت إليها كل حركة المرور، فاختفى يوتيوب عن الوجود لساعات كاملة!&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;ما أُنجز هو أن الإنترنت تحوَّل من مجرد شبكة تقنية إلى فلسفة لامركزية تشتغل وحدها، وتتعافى وحدها، وتكبٌر وحدها، فإذا أراد أحد أن يفهم لماذا يتحمس المختصون للبلوكتشين واللامركزية، فأقول له: لأن الإنترنت علّمنا أن أقوى الأنظمة هي تلك التي لا تملك قلبا يمكن طعنه.&lt;/p&gt;</content:encoded></item><item><title>أربعةُ أسطرٍ نظَّمت الإنترنت</title><link>https://qasawa.com/articles/web-order-pagerank/</link><guid isPermaLink="true">https://qasawa.com/articles/web-order-pagerank/</guid><description>تصوّر الإنترنت عام 1998. لا تلك التجربة المصقولة المُنمّقة التي تعرفها اليوم، والتي تسوقك فيها الخوارزميات سَوقَ الإبل إلى مواردها — بل بَرِّيّةٌ. متاهةٌ…</description><pubDate>Wed, 04 Feb 2026 00:00:00 GMT</pubDate><content:encoded>&lt;figure&gt;&lt;img src=&quot;/photos/nc_04FEB2026.jpg&quot; alt=&quot;&quot; loading=&quot;lazy&quot;&gt;&lt;/figure&gt;
&lt;p&gt;تصوّر الإنترنت عام 1998. لا تلك التجربة المصقولة المُنمّقة التي تعرفها اليوم، والتي تسوقك فيها الخوارزميات سَوقَ الإبل إلى مواردها — بل بَرِّيّةٌ. متاهةٌ مترامية الأطراف، نصفُها أعرج ونصفُها أعمى، زُهاءَ مليونين وأربعمئة ألف موقع تتكاثر بسرعةٍ تفوق طاقة أيّ فهرسةٍ بشرية¹. أتريد أن تبحث عن شيء؟ هنيئاً لك بالعذاب. تكتب استعلامك في AltaVista أو Lycos أو Excite، فيُقذف إليك — في أغلب الأحايين — ركامٌ من اللاصلة: رسائل مزعجة، وروابط ميتة، وصفحات حشاها أصحابها بكلمات مفتاحية خفيّة يتحايلون بها على النظام. لقد صارت الشابكة مكتبةً بلا أمين، أُلقيت كتبها على الأرض جملةً واحدة، ثمّ أُطفئت الأنوار.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;كانت محرّكات البحث حينذاك تعمل بمبدأ يبدو — بأثر رجعي — ساذجًا إلى حدّ الغرابة: تعدّ كم مرةً ظهر مصطلح بحثك في الصفحة². أكثرُ ذكرٍ لكلمة «جاكوار»؟ وهذا كمن يحكم على عالِمٍ بمقدار ما يصرخ بأطروحته في غرفة مزدحمة. فالصوت العالي ليس سلطةً، والتكرار ليس حقيقة. وأهل الاحتيال كانوا يعرفون هذا — فيحشون نصوصاً خفيّة في صفحاتهم، يكرّرون الكلمات المفتاحية مئات المرات. كان النظام مكسوراً من جذره.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;فإذا بطالبَي دكتوراه في ستانفورد ينظران إلى هذه الفوضى فيريان ما لم يرَهُ أحدٌ قبلهما. ليست مشكلةَ نصوص، وليست مشكلةَ كلمات مفتاحية، إنّها مشكلةٌ بِنيويّة.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;2. البصيرة التي قلبت الموازين&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;لاري بيج وسيرغي برين –مؤسسا غوغل– لم يسألا: «ماذا تقول هذه الصفحة؟» بل سألا سؤالاً أبلغَ وأعمق بكثير: «ماذا يقول بقيّة الإنترنت عن هذه الصفحة؟»³&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;قِفْ عند هذه اللحظة وتأمّل. إنّها انقلابٌ كوبرنيكيّ. فبدلاً من تفحّص الصفحة بمعزلٍ عن غيرها — كأنّها جزيرة نائية من النصّ — فحصا علاقاتها. مَن يشير إليها؟ كم موقعاً يحيل إليها؟ والأهمّ: ما مقدار أهمّية تلك المواقع ذاتها؟&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;التشبيه الذي استخدمه بيج نفسه كان الاستشهاد الأكاديمي⁴. في الأكاديميا، لا تكتسب الورقة البحثية أهمّيتها لأنّها تدّعي أنّها مهمّة. تكتسبها لأنّ أوراقاً مهمّة أخرى تستشهد بها. إحالةٌ من بحثٍ رائد في Nature تحمل من الثقل ما لا تحمله إشارةٌ عابرة في نشرة قسمٍ مغمور. القيمةُ تراجعيّة، والسلطةُ تتسرّب وتنتشر، وهذا ليس مجرّد تشبيه — إنّه البنية الرياضية بعينها التي صاغاها.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;«أهمّية صفحة الويب مفهومٌ تراجعيّ بطبيعته: الصفحة مهمّة إذا أشارت إليها صفحاتٌ مهمّة أخرى.»&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;— برين وبيج، «تشريح محرّك بحث نصّي تشعّبي واسع النطاق»، 1998³&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;هذه البصيرة الواحدة — أنّ الشابكة ليست مجموعة وثائق بل بيانٌ من العلاقات — هي ما جعل غوغل ممكنا. والآلة الرياضية التي نشراها لصياغة هذا المفهوم بالغةُ الحُسن إلى حدٍّ يأخذ بالألباب.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;3. الرياضيات: جولةٌ عشوائية عبر الشابكة&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;ههنا يبدأ الجمال. انسَ الخوارزميات لحظة. تخيّل شخصًا — لِنُسمِّها المتصفّحة العشوائية — تبدأ من أيّ صفحة ويب وتضغط... تختار رابطًا عشوائيًّا في الصفحة وتتبعه، ثمّ آخر، ثمّ آخر، تفعل هذا إلى الأبد، مسيرةٌ لا نهائية عبر بنية الروابط التشعّبية في الشابكة⁵.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;السؤال الذي يجيب عنه PageRank هو: على المدى البعيد، أيُّ نسبةٍ من الوقت تقضيها المتصفّحة العشوائية في كلّ صفحة؟ الصفحات التي ينتهي بها المطاف إليها أكثر هي — بحكم التعريف — الأكثر «أهمّية». إنّها الصفحات التي تصبّ بنية الشابكة ذاتها الانتباهَ نحوها.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;البنية الصورية&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;رياضياً، تُنمذَج الشابكة كبيانٍ موجَّه G = (V, E)، حيث V مجموعة جميع صفحات الويب وE مجموعة الروابط التشعّبية بينها. نبني مصفوفة انتقال M، حيث كلّ مُدخَل Mᵢⱼ يمثّل احتمال الانتقال من الصفحة j إلى الصفحة i. فإذا كانت الصفحة j تملك L(j) من الروابط الخارجية، وأحدها يشير إلى الصفحة i، فإنّ Mᵢⱼ = 1/L(j). وإلّا فإنّ Mᵢⱼ = 0⁵.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;غير أنّ ثمّة إشكالًا. ماذا يحدث حين تصطدم المتصفّحة العشوائية بطريقٍ مسدود — صفحة بلا روابط خارجية؟ تعلق. وماذا عن عناقيد الصفحات المنفصلة؟ لن تبلغها أبدًا. البنية الخام للروابط في الشابكة لا تشكّل كائنًا رياضيًا مُحكمًا حسنَ السلوك.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;هنا أدخل برين وبيج معامل التخميد، ويُرمز له عادةً بـ α ويُحدَّد عند 0.85³. في كلّ خطوة، أمام المتصفّحة العشوائية خياران: باحتمال α تتبع رابطاً عشوائياً في الصفحة الحالية، وباحتمال (1 - α) تملّها الصفحة فتهجر المسار بالكلّية وتنتقل «انتقالاً آنياً» إلى صفحة عشوائية تماماً في أيّ مكان على الشابكة.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;يُعرَّف متّجه PageRank — ولنرمز له بـ PR — بوصفه حلّاً للمعادلة:&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;PR = α · M · PR + (1 - α) · (1/N) · 1     ... (١)&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;حيث N العدد الكلّي للصفحات و1 متّجه الآحاد⁵. هذه منظومة خطّية. والأدقّ أنّ PR هو المتّجه الذاتي المهيمن للمصفوفة الانتقالية المعدَّلة&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;αM + (1 - α)(1/N)·1·1ᵀ.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;ومبرهنة بيرون-فروبينيوس تضمن أنّ هذا المتّجه الذاتي موجود، ووحيد، وجميع مُدخَلاته موجبة — لأنّ حيلة الانتقال الآني تكفل أن تكون المصفوفة غير قابلة للاختزال (كلّ صفحة تستطيع بلوغ كلّ أخرى) ولا دورية (لا مصائد حلقية)⁶.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;دعني أعيد القول بعبارة صريحة: ترتيب الشابكة العالمية بأسرها يُختزَل في إيجاد المتّجه الذاتي الرئيسي لمصفوفة هائلة الحجم شديدة التبعثر. هذا كلّ ما في الأمر. مليارات الصفحات، تريليونات الروابط، والجواب متّجهٌ ذاتي. فإن لم تقشعرّ لهذا الأبدان، فواللهِ ما أدري أيّ شيءٍ يقشعرّها.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;التكرار بالقوة&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;عمليًّا، لا تُحلّ هذه المنظومة مباشرةً — فالمصفوفة أضخم من أن تُقتحم هكذا. بل يُستخدم التكرار بالقوة: تبدأ بتوزيع منتظم (كلّ صفحة متساوية الاحتمال)، تضرب في مصفوفة الانتقال، وتكرّر. كلّ دورةٍ تصقل التقدير. والجميل أنّ التقارب هندسيّ، تحكمه نسبة ثاني أكبر قيمة ذاتية إلى الأولى، وهي نسبة يُبقيها معامل التخميد دون الواحد بمسافةٍ مريحة⁷. في التنفيذ الأصلي، كفت 50 إلى 100 دورة تقريباً لتتقارب الشابكة بأكملها³.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;تأمّل الشعر الحسابي في هذا. تبدأ ولا تعرف شيئاً — كلّ صفحة مساوية لغيرها في الأهمّية، ثمّ تدع بنية الشابكة نفسها تتكلّم، كلّ دورة كأنّك تسأل الإنترنت: «مَن ذو الشأن؟» فتُصغي لجوابه. وبعد جولات كافية من السؤال، يستقرّ الجواب. الشابكة تخبرك بتراتبيّتها من تلقاء ذاتها.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;4. لماذا هذا عبقريّةٌ خفيّة&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;أناقة PageRank ليست رياضية فحسب — إنّها فلسفية. تأمّل ما فعله برين وبيج حقّاً: حوّلا سؤالاً ذاتياً («ما أفضل نتيجة لهذا البحث؟») إلى حسابٍ موضوعي («ماذا يقول المتّجه الذاتي؟»). لم يحاولا فهم المعنى أو الدلالة — بل أوكلا الحكم إلى السلوك الجمعيّ لملايين مدراء المواقع، كلٌّ منهم يقرّر باستقلال ما يستحقّ الإحالة إليه.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;هذه، بمعنى ما، خوارزميةٌ ديمقراطية. كلّ رابط صوت. لكنّ الأصوات ليست سواء — فرابط من صفحة MIT الرئيسية يحمل ثقلًا يفوق بمراحل رابطاً من مدوّنة مغمورة، لأنّ صفحة MIT هي ذاتها كثيرة الاستقطاب للروابط. النظام يعزّز نفسه ويصحّح ذاته. إنّه يلتقط شيئاً حقيقياً عن كيفية انتشار الانتباه والثقة عبر الشبكات البشرية.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;ثمّة صلة عميقة ههنا بنظرية سلاسل ماركوف، التي صاغها الرياضياتيّ أندريه ماركوف في مطلع القرن العشرين⁸. كان ماركوف يدرس متتاليات الأحداث المتعلّقة — وقد طبّق نظريته أوّل ما طبّقها على توزيع الحروف الصوتية والصامتة في رواية بوشكين يفغيني أونيغين. وبعد قرنٍ كامل، الرياضيات ذاتها ستنظّم معرفة البشرية جمعاء. إن لم يكن هذا شاهداً على الفعالية غير المعقولة للرياضيات، فما أدري أيَّ شاهدٍ يكفي.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;«الفعالية غير المعقولة للرياضيات في العلوم الطبيعية أمرٌ يتاخم الغموض، ولا تفسير عقلاني له.»&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;— يوجين فيغنر، 1960⁹&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;V. تداعيات الموجة&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;لم يُنجح PageRank غوغل فحسب — بل فتح سدّاً. الفكرة الجوهرية — أنّك تستطيع استخلاص المعنى من بنية الشبكة لا من محتواها وحده — صارت تأسيسيةً عبر حقول المعرفة.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;تحليل الشبكات الاجتماعية يستخدم متغيّرات من مركزية المتّجه الذاتي ذاتها لتحديد المستخدمين المؤثّرين¹⁰. علم الأحياء الحسابي يطبّق نماذج الجولة العشوائية على شبكات تفاعل البروتينات للتنبّؤ بوظائف الجينات¹¹. أنظمة التوصية في Netflix وSpotify تستخدم طرائق مبنيّة على البيانات ومنحدرة من البصيرة ذاتها. بل حتّى علم الأعصاب يستخدم تقنيات مماثلة لنمذجة تدفّق المعلومات في الدماغ¹².&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;الورقة الأصلية لبرين وبيج عام 1998 استُشهد بها أكثر من 25,000 مرة¹³. وهي من أكثر أوراق علم الحاسوب تأثيراً على الإطلاق. وإليك ما يذهل حقّاً — الخوارزمية الأساسية، المحرّك الرياضي الفعلي، يسع صفحة واحدة. صيغة PageRank كاملةً أربعة أسطر من الجبر الخطّي. أربعة أسطر نظّمت الإنترنت.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;سباق التسلّح&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;بطبيعة الحال، لم تنتهِ القصة عند النقاء الرياضي. فبمجرّد أن صار PageRank حَكَماً على الظهور في الإنترنت، بدأ الناس يتلاعبون به. ظهرت «مزارع الروابط» — شبكات من مواقع زائفة تتبادل الإشارة لتنفخ الأهمّية كذباً. فردّت غوغل بإجراءات مضادّة متصاعدة التعقيد: خاصيّة nofollow عام 2005، وتحديث Panda الذي استهدف المحتوى الرديء عام 2011، ثمّ Penguin الذي عاقب مباشرةً مخططات التلاعب بالروابط عام 2012¹⁴. نظام ترتيب غوغل اليوم يستخدم مئات الإشارات، PageRank واحدة منها فقط — لكنّها تظلّ الأساس المفهومي، والنواة الفلسفية.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;«تتقدّم الحضارة بتوسيع عدد العمليات المهمّة التي يمكننا أداؤها دون التفكير فيها.»&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;— ألفرد نورث وايتهيد، مقدّمة في الرياضيات 1911¹⁵&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;¹ Internet Live Stats. &quot;Total Number of Websites.&quot; Historical data on web growth, 1991–present.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;&lt;a href=&quot;https://www.internetlivestats.com/total-number-of-websites/&quot;&gt;https://www.internetlivestats.com/total-number-of-websites/&lt;/a&gt;&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;² Hock, R. The Extreme Searcher&apos;s Internet Handbook. CyberAge Books, 2004.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;³ Brin, S. &amp;#x26; Page, L. &quot;The Anatomy of a Large-Scale Hypertextual Web Search Engine.&quot; Computer Networks and ISDN Systems, 30(1–7): 107–117, 1998.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;⁴ Page, L. et al. &quot;The PageRank Citation Ranking: Bringing Order to the Web.&quot; Stanford InfoLab Technical Report, 1999.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;&lt;a href=&quot;http://ilpubs.stanford.edu:8090/422/&quot;&gt;http://ilpubs.stanford.edu:8090/422/&lt;/a&gt;&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;⁵ Langville, A.N. &amp;#x26; Meyer, C.D. Google&apos;s PageRank and Beyond: The Science of Search Engine Rankings. Princeton University Press, 2006.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;⁶ Meyer, C.D. Matrix Analysis and Applied Linear Algebra. SIAM, 2000. Ch. 8: Perron–Frobenius Theory of Nonnegative Matrices.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;⁷ Kamvar, S.D. et al. &quot;Extrapolation Methods for Accelerating PageRank Computations.&quot; Proc. 12th Int. Conf. on WWW (WWW &apos;03), pp. 261–270, 2003.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;⁸ Seneta, E. &quot;Markov and the Birth of Chain Dependence Theory.&quot; International Statistical Review, 64(3): 255–263, 1996.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;⁹ Wigner, E.P. &quot;The Unreasonable Effectiveness of Mathematics in the Natural Sciences.&quot; Communications in Pure and Applied Mathematics, 13(1): 1–14, 1960.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;¹⁰ Newman, M.E.J. Networks: An Introduction. Oxford University Press, 2010.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;¹¹ Navlakha, S. &amp;#x26; Kingsford, C. &quot;The Power of Protein Interaction Networks for Associating Genes with Diseases.&quot; Bioinformatics, 26(8): 1057–1063, 2010.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;¹² Fornito, A., Zalesky, A. &amp;#x26; Bullmore, E. Fundamentals of Brain Network Analysis. Academic Press, 2016.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;¹³ عدد الاستشهادات في Google Scholar لورقة برين وبيج (1998)، تمّ الوصول إليها 2025.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;¹⁴ Google Search Central. &quot;Google Search ranking updates.&quot; Official documentation.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;&lt;a href=&quot;https://developers.google.com/search/updates/ranking&quot;&gt;https://developers.google.com/search/updates/ranking&lt;/a&gt;&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;¹⁵ Whitehead, A.N. An Introduction to Mathematics. Henry Holt and Company, 1911.&lt;/p&gt;</content:encoded></item><item><title>من 57 مليون سنة إلى 25 ميللي ثانية: خوازمية MinHash</title><link>https://qasawa.com/articles/plagiarism-detection-computational-complexity/</link><guid isPermaLink="true">https://qasawa.com/articles/plagiarism-detection-computational-complexity/</guid><description>هل هذه الصفحة مسروقة من أحد هذه الكتب؟ كيف وفَّرت الحوسبة أدوات سرَّعت المقارنة أسرع ب72 تريليون مرة</description><pubDate>Thu, 07 Aug 2025 00:00:00 GMT</pubDate><content:encoded>&lt;p&gt;تخيَّل أنك تقف في مكتبة عملاقة تحوي ملايين الكتب، ثم يأتيك شخص حاملا صفحةً واحدة ويسألك: “هل هذه الصفحة مسروقة من أحد هذه الكتب؟” كم ستستغرق من الوقت لإجابته؟ سنوات؟ عقود؟ أو قرون ربما؟&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;على سبيل المثال، لو أردنا أن نفحص -حوسبيا وتقنيا- إذا ما كان منشور في فيسبوك مسروقا من منشور آخر، فإننا أمام مقارنة شبه مستحيلة! فكما هو مُقدَّر: عدد المنشورات اليومية في فيسبوك يزيد عن 350 مليون منشورا، فلو أردنا مقارنة كل منشور جديد مع ذلك العدد الضخم فإن هذا يٌترجَم رياضيا إلى:
1.75 × 10¹⁸ مقارنة يوميا!&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;الرقم ذا فلكي، ولتقريب معناه، افترض أن كل مقارنة سوف تستغرق ميكروثانية واحدة فقط (جزء من المليون من الثانية) إذن فإننا نحتاج 57 مليون سنة لإتمام مقارنة يوم واحد فقط!!&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;ولكن ماذا لو علمتم أن فيسبوك وX وغوغل يفعلون أمرا شبيها اليوم؟ وكل السر يكمن في خوازمية MinHash&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;أليس لكل إنسان بصمة إصبع فريدة؟ فلنجعل لكل نص من النصوص بصمةً رقمية، بحيث نميز النص المسروق من الأصلي من خلال مطابقة البصمات، ولتقريب الصورة: تصور حقيبتين مليئتين بالكرات الملونة:&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;الحقيبة الأولى: 3 كرات حمراء، 2 زرقاء، 5 خضراء
الحقيبة الثانية: 2 كرات حمراء، 2 زرقاء، 6 خضراء&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;لقياس التشابه بينهما، نقول: ما نسبة الكرات المشتركة إلى مجموع كل الكرات الفريدة؟ وذا بالضبط ما يعبر عنه تشابه جاكارد Jaccard Similarity:
J(A,B) = |A ∩ B| / |A ∪ B|
هنا يبدأ السحر، فبدلا من عد كل الكرات، أعطِ لكل لون رقما عشوائيا، ثم اختر أصغر رقم من كل حقيبة، ماذا تجد؟ لا بد أنك واجدٌ احتمالَ أن يكون أصغر رقم متطابقا في الحقيبتين يساوي بالضبط نسبة التشابه بينهما!&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;إلا أن النصوص ليست كرات ملونة، فكيف نحوِّل المفهوم؟ نستخدم تقنية التقطيع Shingling:
فجملة “الشمس مشرقة اليوم والسماء صافية” في الوسع تقطيعها إلى مجموعات من ثلاث كلمات:&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;● “الشمس مشرقة اليوم”
● “مشرقة اليوم والسماء”
● “اليوم والسماء صافية”&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;لعله مٌلاحَظٌ الآن أن كل نص قد أصبح مجموعةً من القطع، تماما مثل الكرات الملونة.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;إذن فقد وصلنا الآن إلى استخلاص بصمات رقمية من النصوص، ولكن ماذا عن مقارنة البصمة المراد الفحص عنها مع كل البصمات الآخرى؟ لدينا:
O(n²) مقارنة
ولنفترض أن عندنا خمسة مليارات منشورا، فهذا يعني 25 مليار عملية مقارنة، إذن ما زلنا في نفس المأزق، ولكن هنالك حيلة عبقرية تستطيع أن تنقذنا: التجزئة الحساسة للموقع Locality-Sensitive Hashing - LSH، ولنعد لتقريب الصورة:
نأخذ البصمة الرقمية (مثلا 100 رقم) ونقسمها إلى 20 مجموعة، كل مجموعة من 5 أرقام، فعلى سبيل المثال: سيتطابق نصان متشابهان بنسبة 80% في مجموعة واحدة على الأٌل باحتمال:
P(collision) = 1 - (1 - 0.8^5)^20 = 99.96%
بينما نصان متشابهان بنسبة 30% فقط سيتطابقان باحتمال أقل من 1%!&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;والآن لنقم بتنفيذ الإجراءات عمليًّا:
بعد أن نأخذ المنشور من فيسبوك، نقطِّعه إلى شرائح كما سلف الذكر، ثم 1) تقوم خوازمية MinHash بحساب 256 قيمة، ليجري توليد بصمة في حجم مضغوط جدا (1 كيلوبايت فقط). وبعد ذلك 2) تٌقسم البصمة إلى 20 مجموعة، وكل مجموعة تبحث في نطاقها الخاص، و3) أخيرا تجمع النتائج المحتملة (التي غالبا سوف تكون أقل من 100 نتيجة، من أصل 5 مليارات).&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;كل ذلك قد لا يستغرق 25 ميللي ثانية!&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;إذن فقد وفَّرت الحوسبة أدوات سرَّعت المقارنة من 57 مليون سنة إلى 25 ميللي ثانية، أسرع ب72 تريليون مرة!&lt;/p&gt;</content:encoded></item><item><title>المثقفون الباريسيون والحرب الأهلية الإسبانية (1936 — 1939)</title><link>https://qasawa.com/articles/parisian-intellectuals-spanish-civil-war/</link><guid isPermaLink="true">https://qasawa.com/articles/parisian-intellectuals-spanish-civil-war/</guid><description>الهوة السحيقة بين السياسة في المقاهي الباريسية وخنادق إسبانيا — واحد من أعمق الانقطاعات في التاريخ الفكري الحديث</description><pubDate>Thu, 31 Jul 2025 00:00:00 GMT</pubDate><content:encoded>&lt;p&gt;المثقفون الباريسيون والحرب الأهلية الإسبانية (1936 — 1939)&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;إن الهوة السحيقة بين السياسة في المقاهي الباريسية وخنادق إسبانيا تكشف عن واحد من أعمق الانقطاعات في التاريخ الفكري الحديث، فبينما كان زبائن مقاهي سان جيرمان دي بريه يصوغون نظريات أنيقة عن النبيذ والسجائر، كان جورج أورويل يتفادى رصاصات الستالينيين في شوارع برشلونة، متأكدا من أن الثورة تلتهم أطفالها بدقة منهجية.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;وقد كانت خيبات أمله المتوالية تقطع -بالمبضع- الأوهام الرومانسية، ففي كتابه “الحنين إلى كاتالونيا”، يكتب بصراحة متأسيَّة: “كنت لا أحمل محبة مخصوصة للعامل المثالي كما يتصوره الذهن الشيوعي البرجوازي، لكنني حين أرى أمامي عاملاً متجسداً يصارع عدوه الطبيعي، رجل البوليس، فلست بحاجة إلى التساؤل عن الطرف الذي أنا معه.”¹ فالرجل الذي جاء لمحاربة الفاشيين وجد نفسه مطاردًا من قبل حلفائه المفترضين، أي من أعضاء حزب العمال الماركسي الشيوعي communist POUM الذين وصفهم جهاز ستالين بالخونة “التروتسكيين”.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;وقد خرقت خيباته بالفعل الأوهام الرومانسية، فيصف -ببراعة- مشهد إصابته برصاصة: “الآن، وقد شهدت الخطوط الأمامية فقد تذكرت. أيسمون هذه حرباً! نحن لسنا حتى بتماس مع العدو! لم أقم حتى بمحاولة إحناء رأسي إلى دون مستوى الخندق. لكن لم يمض طويل إلا ورصاصة تمرق إلى جانب أذني وتصطدم بالساتر خلفي. وللأسف! طأطأت بسرعة. لقد ظللت طوال عمري أعاهد نفسي ألا أُطأطئ لأول رصاصة تمر فوقي، لكن يبدو أن الحركة غريزية، يفعلها كل إنسان، مرة واحدة على الأقل.”² فلا أشعار بطولية هنا، بل صدق رجل يكتشف أن الإصابة بالرصاص لا تضاهي شيئا مما توحي به الأدبيات الرومانسية..&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;فاليسار الباريسي، وخاصةً شخوص مثل جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار، سيتصارع لاحقًا لتواطؤه مع جرائم ستالين، متعاميا -عن عمد- عن الحرب الأهلية الإسبانية. فهم يرون الطيارين من “فرسان السماء” في حين يقر أورويل بكآبة بأن الحرب الإسبانية وأحداثًا أخرى قد قلبت الموازين، فلا يمكن للمرء أن يكتب شيئًا مقروءًا إلا إذا ناضل باستمرار ضد حساسيته الخاصة أولا وقبل كل شيء.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;فلأورويل ملاحظة حول المثقفين الذين ادعوا أنهم يدافعون عن الطبقة العاملة: “الاشتراكي النموذجي ليس خيال عجائز مرتعش وإنما عامل شرس المظهر ببذلة متسخة بالشحم وصوت أجش. وهو إما شاب بلشفي متكبر سينجح في مدى خمس سنوات في القيام بزواج موسر ويتحول إلى الكاثوليكية الرومانية، أو من النموذج الأكثر شاب أنيق متزمت من ذوي الياقات البيضاء لا يشرب الكحول عادة وبميول نباتية على الأكثر وخلفه تاريخ من الانشقاق عن الكنيسة والأهم من ذلك في مركز اجتماعي ليست لديه النية لخسارته”³&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;عكست الحرب الأهلية الإسبانية -على الصعيد التاريخي- صراعًا بين الفاشية والديمقراطية، إضافة إلى ذلك قدمت درسا يعزل المثالية الفكرية والرومانسية السياسية عن الخبرة المعيشة والواقع المعاين، فبينما احترقت مدريد ونزفت برشلونة، استمرت مقاهي الضفة اليسرى في محادثاتها المتقعرة، تشتغل على صياغة نظريات يبدو أنها ستدوم إلى عمر أطول من الجمهورية التي ادعت أنها تخدمها، وفوق ذلك لم تستقرئها حقًا أبدًا.&lt;/p&gt;
&lt;ol&gt;
&lt;li&gt;جورج أورويل، الحنين إلى كاتالونيا (مع ملحق نظرة إلى الحرب الإسبانية 1943)، ترجمة عبد الحميد الحسن، منشورات وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية، دمشق، 2002، ص143.&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;نفس المصدر، ص30.&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;جورج أورويل، الطريق إلى رصيف ويغان، ترجمة أسعد الحسين، دار نينوى، ص197.&lt;/li&gt;
&lt;/ol&gt;</content:encoded></item><item><title>أريد أنْ أٌمسِكَ القَدَرَ من حَلْقِه</title><link>https://qasawa.com/articles/beethoven-fate-philosophical-reading/</link><guid isPermaLink="true">https://qasawa.com/articles/beethoven-fate-philosophical-reading/</guid><description>استقراء السياق الفلسفي والطابَع التاريخي لقولة بيتهوفن في رسالته إلى فيجلر عام 1801</description><pubDate>Wed, 30 Jul 2025 00:00:00 GMT</pubDate><content:encoded>&lt;p&gt;نشرتٌ قولةً لبيتهوفن 《أريد أنْ أٌمسِكَ القَدَرَ من حَلْقِه》فسارعَ كثيرون لتنبيهي بما تحمله المقولة من كفر، إلا أنني كنت أود استقراء السياق الفلسفي والطابَع التاريخي الذي وردتْ فيه، ولكن لم يكن معي وقت حينها للاستفاضة في مقال مسهب معمَّق، وقد واتتي الظروف الآن لأضعه بين أيديكم:&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;“أريد أنْ أٌمسِكَ القَدَرَ من حَلْقِه”. عندما كتب لودفيج فان بيتهوفن هذه الكلمات لصديقه فرانز غيرهارد فيجلر في 16/11/1801، عبّر عن أمرٍ غير مسبوق في تاريخ الروحانية الغربية: صوت المؤمن المتمرد، فلم تكن هذي ربوبيةَ فولتير المُدبّرة ولا مادية البارون دولباخ المنهجية، بل كان شيئًا أكثر تعقيدًا وأهميةً تاريخيًا -ظهور ما يُمكننا تسميته “التوحيد المتمرد” في المشهد الثقافي لما بعد عصر التنوير.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;شهدت أواخر القرن الثامن عشر ما أسماه بول هازارد “أزمة الوعي الأوروبي - the crisis of European consciousness” - وهو تمزق جوهري في فهم الأوروبيين لعلاقتهم بالله والعقل والقدر. فقد تحدى عصر التنوير السلطة الدينية التقليدية دون أن يقدم بديلا روحيًّا مُرضيًا. وكما لاحظ كارل بيكر في كتابه The Heavenly City of the Eighteenth-Century Philosophers (1932)، فإن الفلاسفة “هدموا مدينة القديس أوغسطين السماوية فقط لإعادة بنائها بمواد أحدث” (ص 31).&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;فأدى هذا التحول الفكري إلى ما وصفه السير أشعيا برلين بالتوتر المركزي في الثقافة الرومانسية: الإرث المتزامن للشوق الروحي المسيحي وتشكك عصر التنوير تجاه الإجابات الدينية التقليدية. ففي كتابه The Roots of Romanticism (1999)، يقرّ برلين بأن الرومانسية انبثقت تحديدًا من “التصادم بين الحاجة إلى الإيمان واستحالة الإيمان بالأشكال التقليدية” (ص 89).&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;وقد ورث جيل بيتهوفن هذه الأزمة بشدّة، فبيتهوفن -المولود عام 1770- لأسرة كاثوليكية في راينلاند، والذي بلغ سن الرشد خلال هجوم الثورة الفرنسية على السلطة الكنسية، كان تعليمه الموسيقي متجذّرًا بعمق في التراث المقدس لباخ وهاندل. وإن هذا المناخ المتوتر يعكس في سيرته الذاتية المأزق الثقافي الأوسع لأوروبا ما بعد عصر التنوير: الحفاظ على العمق الروحي في عصر النقد الإلحادي.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;وعلى عكس القراءات السطحية التي قد تعتبر قولة بيتهوفن “أريد أنْ أٌمسِكَ القَدَرَ من حَلْقِه” مجرد تجديف كفريّ بائس، يكشف الفحص الدقيق لمراسلاته ومؤلفاته عن موقف لاهوتي مُعقّد يتحدى التصنيف السطحي. فكتاب ألكسندر ثاير Alexander Wheelock Thayer الضخم “Life of Beethoven (1866-1879)” يُوثّق انخراط بيتهوفن طوال حياته في المسائل الدينية، مُشيرًا إلى أن مكتبته احتوت على أعمال هردر ومُختلف المتصوفين المسيحيين إلى جانب نوتاته الموسيقية (Vol. II, p. 347).&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;والأكثر دلالةً، أن رسالة بيتهوفن إلى فيجلر عام 1801 - وهي نفس المراسلات التي تضمنت إعلان “اغتنام القدر seize fate” - تستمر بلغة دينية صريحة: “يا له من إذلال عندما يقف أحدهم بجانبي ويسمع نايًا من بعيد ولا أسمع شيئًا، أو يسمع أحدهم غناء الراعي ولا أسمع شيئًا مرة أخرى - مثل هذه الحوادث أوصلتني إلى حافة اليأس، ولولا ذلك لكنت أنهيت حياتي - الفن وحده هو الذي منعني، يا له من أمرٍ مستحيل أن أغادر العالم قبل أن أُنتج كل ما شعرتُ أنني مُدعوٌّ لإنتاجه” (Anderson, The Letters of Beethoven, Vol. I, p. 69).&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;لفهم موقف بيتهوفن فلسفيًا، يجدر بالمرء أن يدرك كيف غيّرت الثقافةُ الرومانسية المفهومَ المسيحي التقليدي للخضوع الإلهي. فقد شدّد اللاهوت المسيحي الكلاسيكي، متبعًا كتابَيْ “Augustine’s Confessions اعترافات أوغسطينوس” و”Summa Theologica الخلاصة اللاهوتية” لتوما الأكويني، على مبدأ “الاستسلام” - أي الاستسلام الطوعي للعناية الإلهية. حتى التقاليد الصوفية التي شجعت على السعي الروحي الجريء (مثل كتابات مايستر إيكهارت Meister Eckhart) حافظت على الخضوع المطلق كهدف.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;بالرغم من ذاك، اكتشف الجيل الرومانسي نموذجًا توراتيًا مختلفًا: مصارعة يعقوب للملاك في فنيئيل (سفر التكوين 32: 22-32). فهذه الرواية، التي أغفلها اللاهوت في العصور الوسطى إلى حد كبير، أصبحت فجأةً محوريةً في الوعي الديني الرومانسي. وكما هو موثق في كتاب أبرامز M.H. Abrams “Natural Supernaturalism الطبيعة الخارقة للطبيعة” (1971)، فسّر المؤلفون من غوته إلى بليك صراعَ يعقوب كنموذجٍ للتمرد الروحي المشروع - مصارعةٌ تُغيّر المشاركين من البشر والإلهيين على حدٍ سواء (ص 225-237).&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;تكتسب مكانة بيتهوفن أهميةً أكبر عند مقارنتها بمعاصريه الرومانسيين. الجيل المولود حوالي عام 1770، بمن فيهم هولدرلين، ونوفاليس، ووردزورث، وكولريدج، أظهر باستمرار عين هذه المفارقة المتمثلة في الإيمان المتمرد. فقصيدة فريدريش هولدرلين Hyperion (1797-1799) تُجسّد هذا التوجه، حيث تُصوّر بطلاً ينتقد الظلم الإلهي مع الحفاظ على شوق روحي عميق. وكما هو موثّق في كتاب تشارلز تايلور “Sources of the Self منابع الذات” (1989)، سعى هولدرلين صراحةً إلى “استعادة المقدس” من خلال الشعر الذي يتحدى التقوى التقليدية (ص 456).&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;وبالمثل، يجمع نوفاليس في عمله “Hymns to the Night ترانيم الليل” (1800) بين الصور المسيحية الصوفية وتحدي بروميثيوس. فشذراته تكشف عن نفس التوتر اللاهوتي الموجود في أعمال بيتهوفن: “يجب أن نصبح تدبيرنا الخاص We must become our own providence” (Notebooks, Fragment 857)، وفي الوقت نفسه: “الفيلسوف الحقيقي يعيش بالإيمان وحده” (Fragment 1123).&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;وقد شهد الرومانسيون الإنجليز بالفعل تطورات متوازية. فهذا ويليام وردزورث، في Prelude (1805)، يصف التطور الروحي من خلال ما أسماه “بقع من الزمن”، لحظات من التجارب المكثفة التي غالبًا ما تنطوي على صراع مع قوى طبيعية أو خارقة للطبيعة. أما كتابات كولريدج النظرية، وخاصةً “مساعدات للتأمل Aids to Reflection” (1825)، فتؤكد صراحةً أن الإيمان الحقيقي يتطلب “اصطدام الروح بالعقبات” (ص 89).&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;إن إعلان بيتهوفن أنه سيـ”يمسك القدر من حلقه” يمثل أكثر بكثير من مجرد تحدٍ نفسي فردي، فإنه يصوغ تحولا جوهريا في الوعي الديني الأوروبي نشأ من التوترات التاريخية المحددة لثقافة ما بعد عصر التنوير. وبدلاً من العلمنة البسيطة، أنتج هذا التحول أشكالاً جديدة من الأصالة الروحية البديلة، وفي عصر لا يزال يصارع العلاقة بين الإيمان الموروث والاستقلالية الحديثة، يكشف التمرد البيتهوفني عن اضطراب ثقافي غير مستكشف إلى حد كبير…&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;كل الاقتباسات -أو القَبَسات- في مقالتي آتية من هذه الكتب، لم أشأ تزويق المقالة بوضع الاستشهادات في آخرها، بل ارتأيت تذييل كل اقتباس بمصدره في نفس السطر، فأضع الكتب كلها مرةً واحدة هنا لمن رام استفادة أوسع أو أراد توسعا أكبر.&lt;/p&gt;</content:encoded></item><item><title>أنا شيوعي ولكني مع حزب الله</title><link>https://qasawa.com/articles/ziad-rahbani-critique/</link><guid isPermaLink="true">https://qasawa.com/articles/ziad-rahbani-critique/</guid><description>نقد لزياد الرحباني — يساري استعراضي بامتياز حوَّل اليسارية إلى أداء مسرحي كسول</description><pubDate>Tue, 29 Jul 2025 00:00:00 GMT</pubDate><content:encoded>&lt;p&gt;“أنا شيوعي ولكني مع حزب الله”¹&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;سعى الرحباني لتقديم نفسه بديلا نقديا متمردا، خارجا من عباءة الرحابنة الكلاسيكية، إلا أنه لم يمثِّل مشروعا فكريا، ولم يَصُغ خطابا سياسيا متماسكا، فهل من موسيقار -عبر التاريخ- كانت له مشاريع فكرية أو خطابات سياسية؟&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;لعل زياد الرحباني واحدٌ ممن هيأت لهم الظروف أن يشتهروا تحت ثنائية الفن والسياسة، باعتمادِ تهكّم الشوارع بدلا من التحليل، والشعارات المعلَّبة بدلا من الرؤية النافذة، وباستبدال البحث الجاد بمواقف استعراضية لا حظ لها من المنطق أو التاريخ.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;فإنه يوظِّف التناقضات الجذرية في مواقفه بصفاقة ماكرة، ظنا منه أنها تعبِّر عن عمق أشد أو تعقيد مُضاف، فتارةً تراه يهاجم الطائفية اللبنانية بلغة ماركسية ثورية، وتارة أخرى يتحصَّن خلف خطاب طائفي غير معلن، أليس القائل: “من يهاجم فيروز وحسن نصرالله يدافع عن إسرائيل”؟² وهذا عين الخطاب الأبوي السلطوي الذي تنقلب فيه لغة المقاهي إلى سياسة.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;فالرحباني لا ينطلق في تعليقاته السياسية -فهذا لا يتوقع منه كموسيقار-  من أدوات تحليل معرفية أو اطلاع على النظريات الاجتماعية والسياسية الحديثة، بل يتكئ على نبرة هجَّاءَة شعوبية، مستندا على تاريخ شخصي من السخرية المتعالية، فما يقدمه على أنه “نقد سياسي” لا يرقى سوى أن يكون شكلا من أشكال الانفعال، أو الغضب واللعن، أو التهكم.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;فهذه الانفعالية في التصريح، وفي الكتابة، وفي الخطاب، لا تعبر -كما يحلو لأتباعه مِن رواد المقاهي أن يزعموا- عن صدق وجداني وعفوية فكرية، بقدر ما تفضح هشاشة فكرية وعجزا مزمنة عن الانتقال من الإدانة إلى التحليل، ومن الشكوى إلى القراءة الناضجة.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;والرحباني يساري “استعراضي” بامتياز، فلعله لا يوجد في المشهد الثقافي اللبناني من أساء إلى صورة اليسار كما فعل هو، فقد حول اليسارية إلى أداء مسرحي كسول خال من أي التزام جدي، أشبه بموقف جمالي أو موضة فكرية لا تستند إلى أي انغماس فعلي في معاناة الناس أو محاولةً لتفكيك البنى السلطوية. فلم تكن يساريته سوى قناعا يغطي وراءه خيبته الفكرية، ويعطيه إذنا سريا في التنمر على الآخرين.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;والواقع أنّ يساريته لا تتورع عن إعادة إنتاج الخطاب نفسه الذي يفترض أن يقاومه: تسطيح الناس، وتسفيه الخصوم، وتقديس السلطة إذا وافقت هواه السياسي. فيتحوّل من مثقف نقدي إلى بوق إيديولوجي مشروخ.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;فهو حالة نموذجية ل”السلطة الرمزية” الأمر الذي يجعل من هواة الفن ومتابعي آخر الأغاني والأعمال الموسيقية سياسيين يبتلعون مواقفه السياسية بلا مسائلة ويدافعون عنها&lt;/p&gt;</content:encoded></item><item><title>السبرانيات ونظرية المعلومات</title><link>https://qasawa.com/articles/information-theory-cybernetics/</link><guid isPermaLink="true">https://qasawa.com/articles/information-theory-cybernetics/</guid><description>المعلومات هي المعلومات، ليست مادةً ولا طاقةً — كيف أنشأت أربعينيات القرن العشرين مسارات جديدة</description><pubDate>Sun, 27 Jul 2025 00:00:00 GMT</pubDate><content:encoded>&lt;p&gt;“المعلومات هي المعلومات، ليست مادةً ولا طاقةً. لا يوجد ماديٌّ صامدٌ في هذا العصر في وسعه أن ينكر ذلك”³&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;مثَّلتْ أربعينيات القرن العشرين فترةً من أبرز وأعمق التقاربات الفكرية عبر التاريخ البشري&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;فقد شهدتْ ولادة ثلاثة اتجاهات فكرية مختلفة صبَّتْ في نفس المصبّ: السبرانيات Cybernetics ونظرية المعلومات Information Theory وبداية ظهور نظرية الشبكات العصبونية Early Neural Network Theory&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;وهذه الاتجاهات الثلاثة اتحدَّت بطريقة ما لتنشئ مسارات جديدة تماما بدأت في تفسير طبيعة العقل والآلة والتواصل، وليس ما جرى مجرد تقدُّم تقني بل انزياح Shift ثوري أثَّر في تصوُّر الإنسانية جمعاء للمعلومات والغرضيَّة، بل والذكاء نفسه.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;فالسبرانيات  —وهو علم التحكم الآلي— انبثق من سلسلة اجتماعات مترامية التخصصات بين عامَيْ 1944و1953، جامعةً عددًا من كبار القرن العشرين في فترة ما بعد الحرب، فكان فيهم جون فون نويمان وكلود شانون ووارن ماكولوخ وهاينز فون فورستر ودبليو روس آشبي وغريغوري باتيسون ونوبرت وينر. وقد خلقت هذه التوافدات —بالأخص مؤتمرات ماسي— مساحةً فكرية غير مسبوقة جمعت رياضيين وعلماء أعصاب وعلماء إنسان ومهندسين.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;وأمّا أنها جرَتْ في سياق مسحوب تاريخيا على أنه سياق الحرب العالمية الثانية، فذلك ليس بأقل أهمية، إذ أن المشكلات العسكرية –من التحكم في المدافع المضادة للطائرات حتى علم التشفير– قد أجبرت الباحثين على التفكير في التحكم Control والاتصالات Communication ومعالجة المعلومات عبر طرائق جديدة كليًّا.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;فكما يقول وينر: 《أظهرت الحرب أن مشاكل هندسة التحكم Control Engineering ومشاكل هندسة الاتصالات Communication Engineering غير قابلة للفصل》¹&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;نشر كلود شانون عام 1948 ورقته البحثية الأشهر على الإطلاق والتي شكَّلت زلزالا مفاهيميا فيما أتت به من صكِّ وصياغة جديدة، تحت مسمى “نظرية رياضية للتواصل” والتي لم تكن لتحظى بشهرة واسعة لولا مساعدة وارن ويفر، الذي قدَّم للورقة في الطبعة الثانية جاعلًا إياها أقرب لأذهان الناس ومتاحةً لجماهير أكثر.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;وأما إلهام شانون الأعظم ومنجزه الأكثر ثورية فقد تمثَّل في أنه يمكن تكميم المعلومات رياضيًّا بصرف النظر عن معناها، ففي معادلته التأسيسية:
H = -Σ p(x) log₂ p(x)
عرَّف اعتلاج المعلومات -أو الإنتروبيا Entropy بحدود الاحتمالات وعدم اليقين، فكتب قائلا: “إن مشكلة التواصل الأساسية هي إعادة إنتاج -عند نقطة واحدة- إما الرسالة نفسها أو نسخة تقريبية منها محددة عند نقطة ثانية”²&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;وعام 1948 نشر وينر كتابه “السبرانيات، أو: التحكم والتواصل عند الحيوان والآلة”، وهو كتاب طبَّق نظريات المعلومات والتواصل عىل الأنظمة الأحيائية وعلى الآلات، وقد كانت استتباعات وينر الفلسفية أكثر راديكالية من تلك التي كانت لشانون.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;فالذي كان يريد وينر قوله، أن كُلًّا من الإنسان والحيوان في الوسع فهمها من خلال نفس مبادئ
التغذية الاسترجاعية feedback والتحكم، ففي الكتاب يقول:
“المعلومات هي المعلومات، ليست مادةً ولا طاقةً. لا يوجد ماديٌّ صامدٌ في هذا العصر في وسعه أن ينكر ذلك”³ فهذه الجملة تتحدى الافتراضات المادية الأكثر أساسية للعلوم.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;وإن مفهومه لحلقات التغذية الاسترجاعية feedback loops كان ثوريا، ففي وصفٍ لجهاز تنظيم حراري بسيط thermostat، أظهر وينر كيف يمكن للآلة أن تتمخض عن سلوك هادف -وهو الحفاظ على درجة الحرارة المطلوبة- من خلال ردود الفعل السلبية. حتى أنه وصل إلى ما هو أبعد من ذلك، مقرتحا أن كل التصرف الذكي، سواءٌ أكان في الآلة أو في الإنسان، يمكن استيعابه على أنه أنظمة ردود فعل متطورة لمعالجة المعلومات.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;وأما بخصوص ثورة الشبكات العصبونية، التي تمثل الاتجاه الثالث من التقاربات الفكرية، فقد نشر وارن ماكولوتش ووالتر بيتس عام 1943 ورقتهما “A Logical Calculus of the Ideas Immanent in Nervous Activity” (Bulletin of Mathematical Biophysics, Vol. 5, pp. 115-133)، مظهِرَيْن أن شبكات الخلايا العصبية الثنائية، البسيطة منها، قادرة على حساب أي دالة منطقية Logical function، الأمر الذي يسد  الفجوة بين الدماغ والآلة فيما يتعلق بالحساب.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;وكان نموذجهم العصبي بسيطا جدا: فقد استقبل مدخلات، وطبَّق دالة عتبة threshold function وأنتج مخرجا ثنائيا، ومع بساطته أثبتوا أن شبكات تلك العناصر قادرة على إجراء أي عملية حسابية يمكن وصفها منطقيَّا. فكتبوا: “إن الجانبين الشكلي والنهائي لهذا النشاط الذي نسميه بالنشاط العقلي يمكن استنتاجهما بدقة من علم وظائف الأعصاب الحالي”⁴&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;ولكن ما الذي جعل هذه التقاربات الثلاث بالغةَ الأهمية؟ الذي جعلها كذلك أنها حلَّت نفس المشكلة الأساسية من زوايا مختلفة: فكيف يمكن للغرض والذكاء والمعنى أن يتمخض من  عمليات فيزيائية بحتة؟&lt;/p&gt;
&lt;ol&gt;
&lt;li&gt;أظهر شانون إمكانية قياس المعلومات ونقلها دون الرجوع إلى معناها. 2) وأظهر وينر أن السلوك الهادف يمكن أن ينشأ من حلقات التغذية الاسترجاعية التي تعالج المعلومات. 3) وأثبت ماكولوخ وبيتس أن الحساب المنطقي يمكن أن ينشأ من آليات عصبية بسيطة.&lt;/li&gt;
&lt;/ol&gt;
&lt;p&gt;واقترحوا معًا أن مشكلة العقل والجسد القديمة قد يتم حلها من خلال فهم كل من العقل والجسد باعتبارهما نظامين لمعالجة المعلومات.
فهذا وينر يكتب في The Human Use of Human Beings (1950): “نحن مجرد دوامات في نهرٍ دائم التدفق. لسنا كائناتٍ باقية، بل أنماطًا تُخلّد نفسها.”⁵&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;وأما جون فون نيومان فقد قدم دقةً رياضيةً بالغة الأهمية لهذه الأفكار. فعمله على الآلات ذاتية التكاثر  self-reproducing automata أظهر كيف يمكن أن ينشأ سلوكٌ معقدٌ من قواعد بسيطة. وفي مخطوطته غير المكتملة Theory of Self-Reproducing Automata (التي أكملها آرثر بوركس عام ١٩٦٦)، أثبت أن الآلات قادرةٌ، من حيث المبدأ، على التكاثر والتطور. تأثرت بنية فون نيومان الحاسوبية القائمة على البرامج المخزنة (الموصوفة في “المسودة الأولى لتقرير عن EDVAC”، عام ١٩٤٥) تأثرًا عميقًا بخلايا ماكولوخ-بيتس العصبية ومبادئ السيبرانية. لم تكن فكرة تخزين البرامج والبيانات في الذاكرة نفسها مجرد قرار هندسي، بل كانت بيانًا فلسفيًا حول طبيعة المعلومات والحوسبة.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;فلا تزال آثار هذا التقارب الذي حدث في أربعينيات القرن العشرين تتكشف حتى يومنا هذا. فتقنيات التعلم الآلي، والذكاء الاصطناعي، ونظرية التعقيد، وحتى الحوسبة الكمومية، جميعها ترجع أصولها الفكرية إلى هذه الأفكار الأساسية.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;لعلّ الجانب الأعمق في هذا التقارب هو أنه أثار أسئلةً ما زلنا لا نستطيع الإجابة عليها بالكامل. إذا كانت المعلومات بالفعل جوهرية للواقع، فماذا يعني ذلك بالنسبة للوعي والإرادة الحرة والطبيعة البشرية؟ فلقد لمّح رواد أربعينيات القرن العشرين إلى شيءٍ عميقٍ حول طبيعة العقل والواقع، لكننا ما زلنا نعمل على استنباط تداعياته. وكما كتب وينر عام 1948 بنبوءة: “لقد قررنا تسمية مجال نظرية التحكم والتواصل بأكمله، سواءً في الآلة أو في الحيوان، باسم لسيبرنيتيكا”⁶.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;ما لم يكن ليتوقعه هو أن هذا القرار سيُعيد تشكيل فهم الإنسان بشكلٍ جذري. فلم يكن التقارب بين السيبرنيتيكا ونظرية المعلومات مجرد تطور أكاديمي، بل كانت اللحظة التي بدأت تدرك البشرية عندها أنها حضارة معالجة معلومات.&lt;/p&gt;
&lt;ol&gt;
&lt;li&gt;Cybernetics: Or Control and Communication in the Animal and the Machine, 2nd edition (MIT Press, 1961), p. 19&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;Mathematical Theory of Communication, p. 31&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;نفس المصدر الأول، ص132&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;A Logical Calculus of the Ideas Immanent in Nervous Activity, 1943 p. 115&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;ص96 من الكتاب&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;نفس المصدر الأول، ص19&lt;/li&gt;
&lt;/ol&gt;</content:encoded></item><item><title>معارك مياموتو موساتشي حامية الوطيس مع مدرسة يوشيوكا</title><link>https://qasawa.com/articles/musashi-yoshioka-battles/</link><guid isPermaLink="true">https://qasawa.com/articles/musashi-yoshioka-battles/</guid><description>محارب من عوالم الخيال — كيف هزم فحل فحول الساموراي أعرق مدارس السيف في كيوتو</description><pubDate>Thu, 24 Jul 2025 00:00:00 GMT</pubDate><content:encoded>&lt;p&gt;معارك مياموتو موساتشي حامية الوطيس مع مدرسة يوشيوكا | محارب من عوالم الخيال&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;وأنت تقرأ أدبيات الساموراي تعجب لعمومية الصلابة الذهنية والبأس النفسي والقوى البدنية الخارقة التي عند محاربي الساموراي، لكن عند الحديث عن مياموتو موساشتي، فحل فحول الساموراي، فإن السرد يتخذ مجرى أكثر إثارة وأشد تشويقا، هذا لأن موساتشي قد أُثبت نفسَه واحدا من أبرع وأحنك وأقوى محاربي الساموري على مر التاريخ؛ هذا إن لم يكن الأبرعَ والأحنك والأقوى على الإطلاق&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;ففي السجلات التاريخية رُصِدَت 62 مبارزة ونزاعا له، لم يُهزم في أيٍّ منها بتاتا، ولكن أعجبَ مبارازاته تلك التي دارت مع مدرسة السيف المعروفة باسم يوشيوكا، أعرق المدارس في عاصمة كيوتو، ليس لأنها اقتتال بين رجل واحد ومدرسة كاملة فحسب، بل لأنها في باطنها صراعٌ بين عهدين: عهد المدارس التقليدية المحافظة، وعهد الابتكار والتجديد في فنون القتال.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;ترجعُ أصول النزاع إلى خصومة قديمة بين عائلتين، عائلة موساتشي ممثلةً بوالده شينمين مونيساي، وعائلة يوشيوكا التي انتصر عليها مونيساي بنتيجة 2-1 في مبارزة أمر بها الشوغون أشيكاغا يوشتيتيرو (كان حاكما من 1546 إلى 1565)، فولد هذا النصر أحقادا وثأرا متوارَثة في قلوب آل يوشيوكا، ولهذه المدرسة تاريخ حافل ورفيع إذ أُسّست على يد يوشيوكا كينبو في أوائل القرن السادس عشر وكانت لها اتصلات وثيقة ببلاط الإمبراطور ونبلاءه، وفضلا عن شهرتها بفنون السيف، فقد جمعت الثورة والنفوذ كذلك عبر تجارة الأقمشة الفاخرة.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;وعند عام 1604 وصل موساتشي إلى كيوتو وهو لا يزيد عن واحد وعشرين سنة من العمر، مملوءًا عزمًا على اختبار مهاراته ضد أشهر مدارس السيف في المدينة، فتحدى رأس المدرسة يوشيوكا سيجورو، وطلبه إلى مبارزة.ساموراي شاب يطلب رأس المدرسة؟ كانت ردة الفعل مستهنجة ومستغرِِبة، إلا أنه قد جرى تحديد موعد اللقاء، خارج كيوتو وفي مكان يُدعى رينداي-نو. وكما المعتاد استعمل الخصمان السيوف الخشبية، فانقض موساتشي على سيجورو بضربة مباغتة شديدة القسوة فكسرت ذراعه اليسرى وسيفه الخشبي معا، وذي هزيمةٌ مُذلة لا تحتمل من شاب لم يبلغ من عمره العقدَ الثالث، الأمر الذي دفع سيجورو إلى اعتزال فنون القتال تماما والترهبن في أحد الأديرة.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;فماذا تفعل المدرسة؟ تهدأ؟ كلا، بل تسلَّم المدرسةَ يوشيوكا دينشيتشيرو بعد أخيه الأكبر، وكانت عنده رغبة في غسل عار العائلة، وهذه المرة أرسل دينشيتشيرو في طلب موساشتي، بالاتفاق على استخدام سيوف حقيقية وليس خشبية، إلا أن هذا النزاع كسابقه لم يدم طويلا، فقد قتل موساتشي خصمه بضربة واحدة حاسمة. وإلى هنا أصبحت المأساة أضعافا في عقر المدرسة التي باتت على شفا إنهيار وشيك.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;الآن نصل إلى أشهر المواجهات وأكثرها دراميتيكية على الإطلاق: بدأت بوادر الانهيار في أخذ مفعولها داخل المدرسة، فبغياب القائد اجتمع ما تبقى من محاربي المدرسة وأنصارها وأقسموا على الثأر لأسيادهم المقتولين المهانين، إلا أنهم تعلموا الدرس وتيقنوا من أن الفوز على موساتشي في مبارزة شريفة سيكون مستحيلا. فدبروا خطة ماكرة، أرسلوا في طلب موساتشي متحديينه تحت اسم يوشيوكا ماتاشيتشيرو، زاعمين أنه فتى لم يجاوز الثانية عشر من عمره، وأنه وريث العائلة، وقد حددوا موعد المبارزة التي سوف تقع في بستان بإتشيجو-جي خارج كيوتو.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;وليس الأمر مبارزة من طرفهم بل كمينا محكما، إذ اختبأ عشرات المحاربين المسلحين بالسيوف والحراب والأقواس في البستان منتظرين وصول موساشتي ليقتلوه غدرا وغِيلةً. إلا أن موساتشي ليس مجرد حامل سيف بل فطنا وخبيرا بالحرب وأساليبها ولذا فإنه شك في العرض منذ البداية، فعزم على الوصول إلى المكان قبل الوقت المحدد بساعات كثيرة، واستطلع المكان جيدا، وهنا يجدر بالذكر أن المشهور عنه بين المحاربين أنه يصل معاركه متأخرا وبعد الموعد بقليل، فالذي فعله هذه المرة ليس بمُتوَقَّع بتاتا.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;من غير سابق إنذار قفز موساشتي من مكان اختبائه قائلا لقائد المجموعة “لقد انتظرتك طويلا، استل سيفك” وبضربة خاطفة قتله، فتزعزع الرجال الكامنون بدلا من أن يستغلوا عددهم لحصاره، وهاهنا استغل موساتشي الأوضاع وانبرى مهاجما إياهم قاتلا الواحد تلو الآخر.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;ومع هذه المبارزة الأخيرة التي قتلت آخر من تبقى في المدرسة، لم تُسجل نهاية مدرسة يوشيوكا فقط، بل سُجلت نهاية حقبة وبداية حقبة جديدة، بداية فلسفة جديدة في فنون الحرب.&lt;/p&gt;
&lt;ul&gt;
&lt;li&gt;يُرجع في مقالتي هنا إلى سجل النيتينكي Nitenki المنشور عام 1755، وسجل بوشو دينرايكي Bushū denraiki المنشور عام 1727، والبوكودين Bukōden عام 1755.&lt;/li&gt;
&lt;/ul&gt;</content:encoded></item><item><title>مبرهنة تارسكي لانعدام التحديد</title><link>https://qasawa.com/articles/tarski-undefinability/</link><guid isPermaLink="true">https://qasawa.com/articles/tarski-undefinability/</guid><description>لا يمكن لأي نظام صوري قوي كفايةً أن يعرِّف الحقيقة لجُمُله الذاتية — تحليل معمَّق لمبرهنة تارسكي وامتداداتها</description><pubDate>Fri, 28 Mar 2025 00:00:00 GMT</pubDate><content:encoded>&lt;p&gt;مبرهنة تارسكي لانعدام التحديد Tarski’s Undefinability Theorem | مقال طويل لكن جِد عميق | من قال أننا لا نقدر على المقالات الطوال؟&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;إن قليلا من النتائج الرصينة قد ألقت بظلالها الطويلة في خضم الأعاصير الثقافية العاصفة بالرياضيات والفلسفة في القرن العشرين، ومن جملة هذه النتائج الخالدة مبرهنة انعدام التحديد التي صاغها تارسكي في بدايات ثلاثينيات القرن المنصرم –تلك الفترة التي شهدت اضطرابا بنيويا في محاولات إعادة تأسيس الرياضيات– وإنها تطرح حدودا ليس في الوسع الهرب منها: 《لا يمكن لأي نظام صوري قوي كفايةً أن يعرِّف الحقيقة لجُمُله الذاتية》ولهذه النتيجة الفخمة تشعبات وتفرُّعات تسرحُ بعيدا عن الرياضيات ذاتها، عابرةً الحدود إلى أعمق أعماق فهمنا للغة، وللمعنى، ولرمزية الحقيقة ذاتها.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;بدأت رحلة تارسكي في صياغة تلك المبرهنة في بولندا إثر فترة بلغ فيها الإبداع الرياضي مبلغا عظيما، وقد طوَّر الرجل أفكارها وأبدَعَها حول الحقيقة واللغات الرسمية بعدما تأثر بالأعمال التأسيسية الجلل لمناطقة مثل فريجه وراسل وهلبرت، أما المبرهنة موضعَ المقال اليوم فقد ظهرت بدايةً عام 1933 باللغة البولندية تحت عنوان 《تصوُّر الحقيقة في اللغات الرسمية》، وسيُكتَب لها قبول وسيع بفضل الترجمة الألمانية عام 1935 والترجمات الإنجليزية عام 1956. وكما يلاحظ سالمون فِفِرمَن في مقدمته إلى مجموع أوراق تارسكي: 《لقد صنع هذا العمل ثورةً في حقله وحدَّد شكل الحقل الأساسي إلى يومنا هذا》(Feferman, 1986, p. 18)¹ مما يضع تارسكي واحدا نن عمالقة المناطقة.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;في الوسع طرح المبرهنة ببساطة على الآتي: 《لأي نظام صوري متماسك ومتسق F قادر على التعبير عن مبادئ الحساب، فإن مفهوم الحقيقة للجمل داخل F لا يمكن تعريفه داخل F ذاتها》وأما البرهان الرياضي على ذلك فإنه يوظِّف حجة قطرية Diagonalization argument شبيهة بتلك التي جرى استعمالها في مبرهنات غودل، إلا أن تارسكي قد قارَبَ الوضع بالتركيز خصيصا على رمزية دلاليات Semantics الحقيقة بدلا من البرهنة النحوية. وعبرَ صورنة نسخة من مفارقة الكاذب Liar Paradox (“هذه الجملة خاطئة”) استطاع تارسكي أن يُظهِر أن أي محاولة لتأسيس إسنادات للحقائق داخل نظام قادر على الترجيع الذاتي Self-Reference تقود –أي المحاولة– حتما إلى التناقض.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;وهنالك ولا شك علاقة بين مبرهنة تارسكي ومبرهنات غودل الأُوَل، وهي علاقة عميقة ومتبادلة، ففي حين أظهر غودل أن أي نظام متسق قادر على مبادئ الحساب لا يمكنه إثبات كل الجمل الصحيحة، أظهر تارسكي أن مثل ذلك النظام لا يحتوي حتى الموارد التي تسمح له بتعريف أيّ الجمل داخله هي الصحيحة. ويشخِّص ريموند سموليان في 《Gödel’s Incompleteness Theorems》 (1992, pp. 83-87)² نتيجة تارسكي على أنها 《النسخة الدلالية من مبرهنة غودل الأولى》كاشفات أن الثِّنْتَيْن تخرجان من نفس البوتقة، أو من نفس الحدود الأساسية للمرجعية الذاتية في الأنظمة الصورية. والثِّنتان تشيران إلى الحدّ الذي تقف وراءه الصورنة بحيث لا تستطيع تجاوزه بصرف النظر عن مدى ازدياد التعقيد أو قوة التعبير.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;ومواجها مؤديات مبرهنته، طوَّر تارسكي واحدةً من أكثر أفكاره تأثيرا: تراتبية اللغات الدلالية Semantic Hierarchy of Languages، فإذا كانت الحقيقة للغة L0 لا يمكن تعريفها في L0 ذاتها، يقول تارسكي، أنه لا بد أن يكون تعريفها ممكنا في لغة L1 وصفية Metalanguage، فكما يكتب في عمله الرئيس: 《إن مفهوم الحقيقة لا يدين إطلاقا للغة التي تحاول تعريفه، بل للغة وصفية》(Tarski, 1956, p. 267)³، وهذا الإلهام يقود إلى تراتبية لانهائية: تعريف الحقيقة لL1 يتطلب لغة وصفية L2، وهكذا إلى غير نهاية. وإن هذه الطبقية تتوافق مع نظرية راسل للأصناف Theory of Types، والتي جرى تطويرها لتجنب المفارقات في نظرية المجموعات.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;وللمبرهنة استتباعات تخطو بعيدا عن الاهتمامات المنطقية الصَّرِفَة، فعبر تقرير استحالة تعريف الحقيقة داخل لغة للجمل من نفس اللغة، واجه تارسكي إعادة اعتبار هام للعلاقة بين اللغة والواقع. فقد بنى دونالد ديفيدسون عمله الكبير 《Truth and Meaning》(1967, pp. 304-332)⁴ على قوالب تارسكي الدلالية بحيث طور نظرية للمعنى التي ترتهن بظروف الحقيقة. فعنده أن تارسكي وفي حين أظهر عدم استطاعة اللغات أن تحتوي إسنادات حقائقها، إلا أن نظريته الدلالية وفَّرت حجر الأساس لفهم الكيف الذي تتصل به اللغة بالعالَم.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;وأما هيلاري بوتنام، فاحصا مؤديات المبرهنة في كتابه 《Reason, Truth and History》(1981, pp. 105-117)⁵، يجادل بأن عمل تارسكي يتحدى أساسات نظريات مطابقة الحقيقة Correspondence theories of truth من خلال توضيح أن رمزية المطابقة بين اللغة والواقع لا يمكن صورنتها داخل اللغة نفسها. وهذي الحدود تعكس تفرقة فتغنشتاين الشهيرة في 《Tractatus Logico-Philosophicus》 بين ما يمكن قوله وما يمكن إظهاره فحسب.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;يستكشف ميشيل داميت في كتابه 《Truth and Other Engimas》(1978, pp. 186-201)⁶ أن الذي لا يمكن التعبير عنه داخل نظام صوري فإنه من الممكن أن يُكشَف عنه بأدوات النظام —حدوده وبنيته.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;وبعيدا عن كل ذلك فإن مبرهنة تارسكي تمتد بعيدا عن فلسفة اللغة نحو أساسات الرياضيات ذاتها، فإذا كانت الحقيقة الرياضية غير قابلة للتعريف داخل الرياضيات، فماذا يعني ذلك لنا بالنسبة لطبيعة المعرفة الرياصية؟ إن غودل بنفسه، مستجيبا لعمل تارسكي في محاضرة Gibbs عام 1952 (جرى نشرها عام 1995، ص290-304) اقترح أن مبرهنة تارسكي تقود إلى شكل من الواقعية الرياضية —الرؤية القائلة بأن الحقائق الرياضية تتواجد مستقلةً عن أنظمتنا الصورية بل وحتى عن عقولنا البشرية أيضا. فإذا لم يستطع نظام صوري أن يقبض على الحقيقة الرياضية، فإنه من الممكن أن تكون الحقيقة متعالية عن الصورنة تماما.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;يمثل عمل سول كريبكي العظيم 《Outline of a Theory of Truth》(1975, pp. 690-716)⁷ واحدة من أعنف المحاولات للتحايل على الحدود التي اكتشفها تارسكي، فقد طور كريبكي نظريةً للحقيقة تسمح بأشكال معينة من المرجعية الذاتية ولكن باتِّقاء المفارقة عبر معاملة الحقيقة على أنها إسناد جزئي مُعَرَّف عبر مراحل، ومقاربة كريبكي هذه لا تخرق مبرهنة تارسكي (لأنها لا توفر تعريفا كلاسيكيا كاملا للحقيقة داخل اللغة).&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;بل حتى عوالم التحسيب ونظرية التعقيد قد وصلها أثر المبرهنة، فهذا غريغوري تشيتين، ومن لا يعرف تشيتين! قد وصل مبرهنة تارسكي باشتغاله على العشوائية الخورازمية Algorithmic randomness في كتابه 《Algorithmic Information Theory》(1987, pp. 64-67)، مقترحا بأن كلتَي النتيجتيْن تشيران إلى حدود أساسية فيما يتعلق بما يمكن معرفته أو حوسبته. كذلك فإن ديفيد هاريل يفحص كيف أن مبرهنة تارسكي تتصل بمشكلة التحقق في علم الحاسوب –سؤال إذا ما كان البرنامج يوافق شروطه ومحدداته. فإذا لم تكن الحقيقة قابلة للتعريف داخل نظام، فإنه لا يمكن تعريف خاصية من خصائص برنامج ما لتجري صورنتها تماما داخل النظام.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;المصادر:
Chaitin, G.J. (1987). Algorithmic Information Theory. Cambridge University Press, pp. 64-67.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;Davidson, D. (1967). Truth and Meaning. Synthese, 17(1), pp. 304-323.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;Dummett, M. (1978). Truth and Other Enigmas. Harvard University Press, pp. 186-201.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;Feferman, S. (1986). Introduction to Alfred Tarski: Collected Papers, Vol. 2. Birkhäuser, pp. 13-29.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;Field, H. (2008). Saving Truth from Paradox. Oxford University Press, pp. 201-236.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;Gödel, K. (1995). Some basic theorems on the foundations of mathematics and their implications. In S. Feferman (Ed.), *Kurt Gödel: Collected Works, Volume III: Unpublished Essays and Lectures. Oxford University Press, pp. 290-304. [Originally delivered as the Gibbs Lecture in 1951]&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;Harel, D. (2000). Computers Ltd.: What They Really Can’t Do. Oxford University Press, pp. 115-119.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;Hofweber, T. (2005). Inexpressible Properties and Propositions. Oxford Studies in Metaphysics, 2, pp. 257-279.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;Kripke, S. (1975). Outline of a Theory of Truth. The Journal of Philosophy, 72(19), pp. 690-716.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;Putnam, H. (1981). Reason, Truth and History. Cambridge University Press, pp. 105-117.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;Smullyan, R. (1992). Gödel’s Incompleteness Theorems. Oxford University Press, pp. 83-87.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;Tarski, A. (1956). The Concept of Truth in Formalized Languages. In Logic, Semantics, Metamathematics. Oxford University Press, pp. 152-278. [Originally published in Polish in 1933]&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;Wittgenstein, L. (1922). Tractatus Logico-Philosophicus. Routledge &amp;#x26; Kegan Paul.&lt;/p&gt;</content:encoded></item><item><title>عبقرية شوبنهاور في السبق المنطقي</title><link>https://qasawa.com/articles/schopenhauer-logical-precedence/</link><guid isPermaLink="true">https://qasawa.com/articles/schopenhauer-logical-precedence/</guid><description>كيف سبق شوبنهاور في القرن التاسع عشر التوجهات البحثية الحالية في طبيعانية الاستنباط المنطقي</description><pubDate>Sat, 01 Mar 2025 00:00:00 GMT</pubDate><content:encoded>&lt;p&gt;عودة للمقالات الفلسفية: عبقرية شوبنهاور في السَّبْق المنطقي&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;إن سؤال الطبيعانية Naturalness سؤالٌ ذو زخم في أدبيات المنطق، فتجري مناقشة الطبيعانية في أنظمة الاستنباط الطبيعي باستناد كبير جدا على الأقيسة Syllogistics الأرسطية. ومن ناحية أخرى، فإن مبحث المنطق الطبيعي يُعنَى بالقوانين المنطقية الضمنية للغة الطبيعية، وهو إذ ذاك مهتم بطبيعانية الأقيسة. ومن ناحيتيّ المبحث فإن السؤال يتجلى عما تعنيه الطبيعانية بالضبط، في المنطق كما في اللغة.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;ولكن هل هذا الحديث الدائر هذه الأيام جديدٌ وابن العصر هذا؟ الحقُّ أن الأسئلة عن الطبيعانية قد سبق وجرى طرحها على يد الفيلسوف العملاق آرتور شوبنهاور، ففي 《محاضرات برلين》في عشرينات القرن التاسع عشر، فصَّل شوبنهاور وحلَّل بعمق ماهيا الطبيعانية وانعدام الطبيعانية في المنطق، وعلى وجه مخصوص فإنه قد اسبتَق شكلَيْن خطيرَين من طبيعانية الاستنباط واللذان يوافقان التوجهات البحثية الحالية!&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;فالأول: الطبيعانية هي موائمة الممارسة الفعلية للحِجَاج في اللغة التي يُحكَى بها يوميا أو البرهان العلمي؛ وثانيا: طبيعانية الاستنباط ظاهرة بوضوح في شكل رسومات أويلر البيانية Euler diagrams.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;كان غيرارد غنتزن أول من اخترع نظام استنباط طبيعي في عشرينات وثلاثينات القرن المنصرم، حيث كان يسعى إلى إنشاء كالكولس يكون قريبا قدر المستطاع إلى التفكير البشري الفعلي. وكذا فإن شريكه ياشكوفسكي Jaskowski رأى أن النظام سيكون أكثر ملائمة لأغراض صورنة البراهين العملية. وإن توجه الاثنين تمثل في اعتماد التمنطق الطبيعي في الممارسات الرياضية، وكذا فإنهما لاحظا أن الكالكولس البدهيّ Axiomatic calculi في تقليد فريجه وراسل وهلبرت ليس كافيا للتفكير الفعلي داخل الرياضيات.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;مفاجئ جدا أن نجد شوبنهاور قد ميَّز —في القرن التاسع عشر— بين صنفيّ الاستنباط ضمن الأقيسة التقليدية، أيْ الصنف الطبيعي والصنف غير الطبيعي، وقد ناقش شوبنهاور ذينك الصنفين وحاجج بمختلف الأساليب. رأى الرجل أن طبيعانية الاستنباط تعتمد على ممارسة التفكير وعلى البرهنة، وأنها ممثلة عبر رسومات أويلر. الحِجاج الأول معيارُه اللغة والذهن، والثاني معياره دياغراماتي Diagrammatic.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;في قسم 《الاستدلالات》Inferences من محاضراته، ينقد شوبنهاور الاستنباط غير الطبيعي في عبارة قياسية صريحة، حيث يُعنوِن كل الاستدلالات من الشكل القياسي الرابع —اسمه Galenic figure— على أنها غير طبيعية، فهو يقول في Q1 من المحاضرات:
《إن لأرسطو الثلاثة الأولى فحسب، أما الرابع (وفقا لأسطورة العرب) اخترعه غالِنْ Galen، وهو فقط عكس الأول. وفعليا، فإن هنالك علاقة فريدة بين التصورات: فهي غير طبيعية جدا والوحيدة الأولى التي قُلِبَت رأسا على عقب. فإذن لم يضعها أرسطو عن قصد》
ص305.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;ولتوضيح مرام شوبنهاور لا بد أن أعرِّج على بعض القاضياس فنيًّا:
في الأقيسة فإننا نفرِّق عادةً بين أربعة أصناف لأكثر من 24 شكل من أشكال الاستدلال modi، وبالاستناد على تمركز الثلاثة حدود (M, m, u) في المقدمات، فإن ال24 استدلال أو modi يجري تصنيفها في واحد من الأربع أصناف حيث F صنف.&lt;/p&gt;
&lt;pre class=&quot;astro-code github-dark&quot; style=&quot;background-color:#24292e;color:#e1e4e8; overflow-x: auto;&quot; tabindex=&quot;0&quot; data-language=&quot;plaintext&quot;&gt;&lt;code&gt;&lt;span class=&quot;line&quot;&gt;&lt;span&gt;[ų   M]           [M ų]              [ų  M]                [M ų]&lt;/span&gt;&lt;/span&gt;&lt;/code&gt;&lt;/pre&gt;
&lt;p&gt;F¹[m   ų]     F¹¹[m  ų]       F¹¹¹[ų  m]         F¹V[ų  m]
[m  M]          [m M]             [m M]               [m M]&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;يتبع…(عيوني مرهقة جدا)&lt;/p&gt;</content:encoded></item><item><title>مفارقة الكاذب</title><link>https://qasawa.com/articles/liar-paradox/</link><guid isPermaLink="true">https://qasawa.com/articles/liar-paradox/</guid><description>هذه الجملة خاطئة — واحدة من أعتى مشكلات المنطق الفلسفي وامتداداتها في الحوسبة والرياضيات</description><pubDate>Fri, 17 Jan 2025 00:00:00 GMT</pubDate><content:encoded>&lt;p&gt;لاحظ هذه العبارة: 《هذه الجملة خاطئة》. هل هي صحيحة أم خاطئة؟ إذا افترضنا أنها صحيحة؛ فإنَّ مؤداها يجب أن يكون صحيحا، لكنها تقول أنها خاطئة، فإذن يجب أن تكون خاطئة! ولكن لو افترضنا أنها خاطئة، فبالاستناد على أنها تدّعي الخطأ، فإذن يجب أن تكون صحيحة!&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;تلك هي مفارقة الكاذب The Liar Paradox بأم عينها، واحدة من أعتى مشكلات المنطق الفلسفي Philosophical Logic على الإطلاق¹. فإن تساؤلات مفصلية تتمخض عنها، حول الصوابية والخطأ وحدود المنطق الصوري، كما أنها تلقي بضوءٍ على علاقة اللغة بالواقع، وإمكان المرجع الذاتي Self-Reference في الأنظمة المنطقية². ولهذه التساؤلات مؤديات جمة على الفلسفة والرياضيات وعلوم التحسيب واللسانيات³&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;وقد سعى مِن الفلاسفة مَن سعى لحلها بشتى المقاربات ومختَلَف الطرائق، فهذا ألفرد تارسكي يقترح تراتبية للغات، حيث تكون الحقيقة لكل لغة معرَّفةً في 《لغة مَعرِفة》 Metalanguage عالية⁴، كما طرح كريبك Kripke طرحا مفادُه أن إسنادات الحقيقة Truth predicates معرَّفة جزئيا 《Partially defined》باعتبار بعض العبارات مندرجةً في فجوات لقيم الحقيقة⁵ Truth-value gaps، أما غراهام برييست فقد طرح الديالثية Dialetheism، مفيدا بأن بعض التناقضات، مثل عبارة الكاذب، هي صحيحة وخاطئة معا⁶.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;قد تبدو المفارقة كلام صبيان أو لهوا منطقيا لا يفيد، إلا أن لها استتباعات بليغة الأثر في علم الحاسوب، خاصةً في التحقق من البرامج Program Verification، ونظرية قواعد البيانات Database Theory، والذكاء الاصطناعي. كما أن مبرهنات غودل لعدم الاكتمال تستخدم تنويعات من مفارقة الكاذب في بناء البراهين⁷.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;ولكي تتصور المفارقة تصورا أصفى تخيل أن كاميرا معينة تحاول تصوير نفسها من غير مرآة —مستحيل! مرجع ذاتي مستحيل! كذلك وضعُ مفارقة الكاذب، إذ أنها تحاول تقرير قيمة الحقيقة التي تخصها⁸.&lt;/p&gt;
&lt;ol&gt;
&lt;li&gt;
&lt;p&gt;Beall, J.C. (2009). “Spandrels of Truth.” Oxford University Press.&lt;/p&gt;
&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;
&lt;p&gt;Sorensen, R. (2003). “A Brief History of the Paradox: Philosophy and the Labyrinths of the Mind.” Oxford University Press.&lt;/p&gt;
&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;
&lt;p&gt;Field, H. (2008). “Saving Truth from Paradox.” Oxford University Press.&lt;/p&gt;
&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;
&lt;p&gt;Tarski, A. (1944). “The Semantic Conception of Truth and the Foundations of Semantics.” Philosophy and Phenomenological Research 4(3): 341-376.&lt;/p&gt;
&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;
&lt;p&gt;Kripke, S. (1975). “Outline of a Theory of Truth.” The Journal of Philosophy 72(19): 690-716.&lt;/p&gt;
&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;
&lt;p&gt;Priest, G. (2006). “In Contradiction: A Study of the Transconsistent.” Oxford University Press.&lt;/p&gt;
&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;
&lt;p&gt;Raatikainen, P. (2022). “Gödel’s Incompleteness Theorems.” The Stanford Encyclopedia of Philosophy.&lt;/p&gt;
&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;
&lt;p&gt;Dowden, B. (2022). “The Liar Paradox.” Internet Encyclopedia of Philosophy.&lt;/p&gt;
&lt;/li&gt;
&lt;/ol&gt;</content:encoded></item><item><title>نقد تدعيم سعيد فودة</title><link>https://qasawa.com/articles/foudeh-logic-critique/</link><guid isPermaLink="true">https://qasawa.com/articles/foudeh-logic-critique/</guid><description>جل كلام فودة إنشائي استرسالي — نقد لمحاولته الرد على ابن تيمية في المنطق</description><pubDate>Tue, 03 Dec 2024 00:00:00 GMT</pubDate><content:encoded>&lt;p&gt;نقد تدعيم سعيد فودة&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;جل كلام فودة في هذا الكتاب إنشائي استرسالي لا تقوم له قائمة لولا ما ينتهجه من التهويل والجعجعة بغير نسق ولا اتساق، فصعبٌ علي أن أكتب نقدا متسقا على ما يعوزه الاتساق، فالرجل قصَّاص محترف ينتقل بين الأفكار في الصفحة الواحدة عشرين مرة دون أن يقف عند واحدة منها ويبينها فيذود عنها أو يصل أخرى فيهاجمها ويدحضها، لكنه يقفز قفزا وكأني بالكتاب استحال تجميعا للقُصاصات، وقد فعل في الكتاب كل شيء إلا أنه غفل عن “تدعيم” المنطق.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;في معرض رده على ابن تيمية ص80 يقول:&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;《إن الموجة السائدة في الغرب في هذه العصور هي موجة نقد وإبطال كل ما يمت إلى الأصول العقلية الراسخة التي لا تنبني العقائد إلا عليها، والغرب مائل كذلك إلى القواعد العملية أكثر من ميله إلى العقليات حتى بلغ بالبعض أن يضع اللغة موضع التفكير نفسه¹، وهذا مغالاة في إنكار العقليات التي لا تحس بالحواس الخمس بل تدرك إدراكا عقليا.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;فلما رأى هؤلاء المقلدون التيار الغربي ووجدوه قد وجه كل همه لإدحاض المنطق اليوناني بحق أو بغير حق ونفي كل قاعدة منطقية سواء أكانت من اليونان آم من غيرهم، وبحثوا بين المسلمين عمن حاول نقض القواعد المنطقية فوجدوا ابن تيمية، فلهج لسانهم بذكر عبقريته! يحاول بعضهم إثبات السبق وبعضهم إثبات موافقته لهم.》&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;هذا كلام لا يصدر إلا من الصبيان، فلم يقل لنا ما هذه الموجة السائدة بالضبط؟ وأي عصور؟ أعني أنه قد يُفهم من كلامه الضبابي العصور الحديثة بدءا من ديكارت، أو القرنين التاسع عشر والعشرين. ولكن بصرف النظر عن ذلك فهل يعلم فودة كم مدرسة منطقية ومذهبا منطقيا ظهر في “هذه العصور”؟ وكيف اتفق له أن يختزل كل الأنظمة المنطقية الحديثة –التي تضاربت فيما بينها ونقد بعضها الآخر– في “موجة سائدة”؟ هذا تسطيح لا يصدر عن المتمكنين في تواريخ المنطق والعلوم أو التاريخ الغربي&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;يقول 《والغرب مائل كذلك إلى القواعد العملية أكثر من ميله إلى العقليات حتى بلغ بالبعض أن يضع اللغة موضع التفكير نفسه¹》 ولم يُقِم الحجة! واستشهاده بالحاشية ¹ كان من كتاب زكي نجيب محمود حول المنطق الوضعي! يقول 《الغرب》 بتعميم يعوزه التخصيص ثم يضرب مثالا ب《البعض》 عن الوضعية!&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;الفقرة الأخيرة لا يستقيم عليها رد لصبيانيتها، وما دام فودة يحب الشق عن الصدور وتتبع النوايا فليكن الرد بنفس أسلوبه فأقول:&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;واضح مما يكرره الرجل أنه يفهم “التيار الغربي” على أنه فرنسيس بيكون وجون لوك ومن على شاكلتهم من الفلاسفة الذين تعرضوا للأرسطية بالنقد، فهؤلاء مَن وصلتنا أعمالهم مترجمة وهم غالبا من يمثِّل الشباب بهم حين إظهار سبق ابن تيمية في النقد، ولكن معذرةً أيها العلَّامة الفاضل؟ لا فرنسيس بيكون ولا جون لوك ولا من على شاكلتهم يمثلون “تيَّارا” غربيا في المنطق، بل لا بضاعة لهم في المنطق فهم ليسوا موضع احتجاج من الأساس! وإنْ كنت ترى أن الإمبريقيين هم وحدهم من تصدوا للأرسطية فإنك واهم تائه، ولا زلنا نبين كيف اتفقت المدارس المنطقية الحديثة على التصدي للأرسطية ووافقت ابن تيمية في عموميات وخصوصيات معينة، هذه المدارس التي لم تسمع بها أنت ولا بتاريخها فضلا أن تكون على علم بمضامينها…&lt;/p&gt;</content:encoded></item><item><title>أطروحة تورنغ-تشيرش</title><link>https://qasawa.com/articles/church-turing-thesis/</link><guid isPermaLink="true">https://qasawa.com/articles/church-turing-thesis/</guid><description>الفرضية التي لا يمكن إقامة الدليل عليها وفي ذات الآن لم تُدحَض — مؤدياتها الفلسفية والعملية في علم التحسيب النظري</description><pubDate>Mon, 16 Sep 2024 00:00:00 GMT</pubDate><content:encoded>&lt;p&gt;الفرضية التي لا يمكن إقامة الدليل عليها وفي ذات الآن لم تُدحَض إلى يومنا:
أطروحة تورنغ - تشيرش Church-Turing thesis في علم التحسيب النظري والرياضيات ومؤدياتها الفلسفية والعملية&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;تؤسس أطروحة تورنغ - تشيرش لمبدأ أساسي في علم التحسيب يقوم على مساواة المفهوم البَدَهيّ intuitive notion لقابلية التحسيب computability مع مفاهيم أخرى لقابلية التحسيب مثل الدوال الترجيعية recursive functions وحساب لامدا Lambda calculus وآلات تورنغ Turing machines وقد طُرِحَت على أيادي عملاقَيْ علم التحسيب ألونزو تشيرش وآلان تورنغ عند ثلاثينيات القرن المنصرم كُلًّا على حدة. وأصبحت الأطروحة حجر بناء هام في علم التحسيب النظري مع مؤديات عميقة لكل من نظرية الحساب theory of computation ونظرية التعقيد complex theory وصولا إلى فلسفة العقل Philosophy of mind&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;وإذا ما أردتَ إرجاع الأطروحة إلى جذرها الرئيس فإنك سترى أنها تدور في رحى مفهوم خوارزمية فعَّالة effective algorithm والتي تعني مجموعة خطوات محدودة لإتمام مهمة والتي سوف تصدر نتيجةً في عدد محدود من الخطوات، وقد صاغ تورنغ الأطروحة من جانبه على النص بأن أي دالّة قابلة للحساب بفعالية effectively computable عبرَ خوارزمية معينة فإنه بالوسع حسابها عبر آلة تورنغ وآلة تورنغ هذي تعبِّر عن نموذج رياضي للحساب يقوم بتعريف آلة مجردة abstract machine تتلاعب بالرموز على قطعة من شريط استنادا إلى جدول من القوانين وبالرغم من يُسْر آلة تورنغ إلا أنها تستطيع محاكاة أي خوارزمية&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;وأما رياضيا فإن تشيرش قد صاغ جانبه منها بالنص على أن أيّ دالة قابلة للحساب بفعالية هي قابلة للحساب اللامديّ Lambda-computable وحساب لامدا نظامٌ رسمي في المنطق الرياضي يعبِّر عن الحساب استنادا إلى تجريد الدوال function abstraction. وقد ظهر كلين Kleene بأطروحة تخصه ينص فيها على أن أي دالة قابلة للحساب بفعالية فهي ترجيعية جزئيًّا partial recursive وما جاء به كلين يُعدُّ تعميما للدوال الترجيعية التي قد تكون غير معرَّفة لبعض المُدخلات وأعني بالدوال الترجيعية تلك تستطيع آلة تورنغ حسابها. كذلك فإن خوارزميات ماركوف Markov algorithms وهنّ نظام تلاعب سلسليّ string manipulation system يستخدم قوانين نحوية grammar-like rules ليشتغل على سلاسل من الرموز string of symbols، يُعتَبَرن مساويات لآلات تورنغ وحساب لامدا من ناحية القوة التحسيبية computational power&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;ليست الأطروحة مبرهنة رياضية وإنما فرضية حول طبيعة الدوال الحسابية فلا يمكن إثباتها رسميا لأن مفهوم “القابلة للحساب بفعالية” effective computability ليس رسميا informal وليس دقيقا رياضيًّا وعلى أية حال فلم توجد حالة واحدة counterexample تعارض الأطروحة وتدحضها فليس عندنا دالة واحدة من الدوال التي يمكن حسابها بَدهيا intuitively computability قد أُظهِرَ أنها غير قابلة للحساب عبرَ آلة تورنغ أو حساب لامدا!&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;مؤديات الأطروحة وسيعة وشديدة العمق فهي تُظهر أولا عالمية التحسيب universality of computation فإذا أُثبِتَت فإن كل أنظمة التحسيب القوية متساوية قياسا إلى الدوال التي تستطيع حسابها وهذا لا يشمل آلات تورنغ وحساب لامدا فحسب بل يمتد إلى الحواسيب الحديثة ولغات البرمجة وأي نظام تحسيبي من الممكن اختراعه مستقبلا، بمعنى أن هذه الأنظمة قد تتفاوت في الفعالية ولكن ليس في القوة التحسيبية الأساسية&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;وثانيا فإن الأطروحة تؤذن بوجود الدوال غير القابلة للحساب وأشهر الأمثلة هاهنا هي معضلة التوقف halting problem والتي تحاول معرفة إذا ما كانت آلة تورنغ معينة ستتوقف بإعطاء مدخل معين وقد أثبت تورنع أنه لا يمكن لآلة تورنغ أن تحلحل معضلة التوقف لكل المدخلات الممكنة مظهرا أن عندنا حدود جوهرية لطبيعة الحساب وما يمكن حسابه&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;وثالثا فإنها تشكل أساس نظرية القابلية للحساب ونظرية التعقيد إذ تسمح بتصنيف المشكلات إلى قابلات للتقرير decidable وغير قابلات للتقرير وتكون المشكلة قابلة للتقرير إذا وُجِدَت آلة تورنغ تتوقف halts دوما وتقرر المشكلة تقريرا صحيحا. وأما المشكلات غير القابلة للتقرير -كمعضلة التوقف- فلا يمكن لأي آلة تورنغ أن تحلها.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;ورابعا فإنها تحمل مؤديات لفلسفة العقل والذكاء الاصطناعي فإذا كان العقل البشري نظاما حاسوبيا computational system (حسبما تقول النظرية التحسيبية للعقل computational theory of mind) وإذا أُثبتَت الأطروحة فإنها ستغدو عمليةً ممكنة أن يُحاكَى العقل البشري من قبل آلة تورنغ! وهذا هو أساس الذكاء الاصطناعي القوي Strong AI الذي ينص على إمكانية هندسة الآلة بحيث تحوي حالات عقلية تساوي وظائفيا عقل الإنسان. عموما لا زال هذا موقفا فلسفيا مع جدال مستعر بين أطراف القضية&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;ولها مؤدى كبير آخر Physical Church-Turing thesis الذي يتطرق للحواسيب الكمومية وأي شكل فيزيائي آخر للحواسيب لعل الحديث يأتيه لاحقا…&lt;/p&gt;</content:encoded></item><item><title>هاسكل والصرامة الرياضياتية</title><link>https://qasawa.com/articles/haskell-mathematical-rigor/</link><guid isPermaLink="true">https://qasawa.com/articles/haskell-mathematical-rigor/</guid><description>لغة البرمجة التي تحبها الرياضيات — لماذا تُعدّ هاسكل الأكثر صرامة بين لغات البرمجة وما علاقتها بحساب لامدا ونظرية الفئة</description><pubDate>Fri, 12 Apr 2024 00:00:00 GMT</pubDate><content:encoded>&lt;p&gt;لغة البرمجة هاسكل والصرامة الرياضياتية&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;يُشار عادة إلى لغة البرمجة هاسكل على أنها اللغة الأكثر صرامة بين بقية لغات البرمجة حتى أنها توصف بشائعة خاطئة: “لن تستطيع كتابة كود عبر هاسكل من غير أن تكون لديك دكتوراة في الرياضيات”، وذلك يرجع إلى بنيتها وخصائصها، هذه الخصائص تجذب الرياضياتيين والأشخاص المهتمين بالأساليب المنطقية، من هذه الخصائص:&lt;/p&gt;
&lt;ol&gt;
&lt;li&gt;هاسكل لغة وظيفية نقية Purely Functional، أن تكون اللغة وظيفية يعني ألا يحتوي برنامجك بما فيه من دوال على عوارض جانبية Side Effects، فكل دالة إذا ما أُعطيت المتغيرات ذاتها فإنها سوف تعطي ذات المخرجات، وذا يعكس مفهوم الدالة الرياضي، ويجعل التمنطق حول البرامج Reasoning about Programs أمرا أكثر استقامة&lt;/li&gt;
&lt;/ol&gt;
&lt;p&gt;تندرج اللغات الوظيفية تحت نموذج أعم يسمى البارادايم التصريحي Declarative Paradigm، أما النموذج الآخر المسمى بالإلزامي Imperative Paradigm يشكو من مساوئ لا تشكو منها هاسكل، مثل العوارض الجانبية.&lt;/p&gt;
&lt;ol start=&quot;2&quot;&gt;
&lt;li&gt;تعتمد نظامَ كتابة قوي Strong Static Typing بالإضافة إلى القدرة على استنباط الأنماط Type Inference، مما يجعل القبض على الأخطاء البرمجية أمرا سهلا وقتَ الترجمة Compilation time بدل وقت التشغيل Runtime، ومع القدرة على الاستنباط فبوسع المترجم Compiler أن يحدد أنماط القيم والمتغيرات من غير أن يعلن Declare عنها المبرمج صراحةً في الكود.&lt;/li&gt;
&lt;/ol&gt;
&lt;p&gt;تعتمد لغة بايثون -مثلا- الكتابةَ الديناميكية Dynamic typing، وهي بذلك تفتح المجال وسيعا أمام أخطاء لن تظهر إلا وقت التشغيل.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;مشكلة العوارض الجانبية تنشأ من أن طبيعة البرامج حالاتية Stateful، مما يعني أن الدوال أو الإجراءات تغيّر حالة البرنامج دوريًّا، ففي النموذج الإلزامي الذي تتفادى هاسكل أخطاءه، يشتغل منطق البرنامج عبرَ قيمة معينة أو متغير x تعلن عنه، ثم تضيف إليه واحدا آخر، فتطرح النتيجة في دالة أخرى…إلخ. وهذا يجعل التمنطق حول البرامج أمرا شاقا، لأن المخرجات رهن بالمدخلات وبحالة البرنامج الحالية.&lt;/p&gt;
&lt;ol start=&quot;3&quot;&gt;
&lt;li&gt;
&lt;p&gt;تعتمد خاصية التثمين الكسول Laziness-Lazy Evaluation، وهذي استراتيجية بموجبها تنفذ اللغةُ التعبيراتِ Expressions عند الضرورة فقط، مما يؤدي إلى كود فعَّال ويسمح باستخدام بنى البيانات اللانهائية Infinite data structures. أما في النموذج الإلزامي فإن التعبيرات قاطبةً تُنَفذ عند أقرب زمن، بل وأحيانا تُنفذ فور التعرض لها بغض النظر عن الضرورة.&lt;/p&gt;
&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;
&lt;p&gt;تقوم على أساسات رياضية، ففي حين أن اللغات الإلزامية تعتمد بنية فون نيومان، وإذن فهنالك خطوات، وعمليات، وتغييرات في الحالة. فإن جذور هاسكل تعود إلى حساب لامدا Lambda Calculus.&lt;/p&gt;
&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;
&lt;p&gt;تتبنى نظرية الفئة Category theory، تحوي هاسكل العديدَ من المفاهيم المجلوبة من نظرية الفئة، مثل المدلال Functor، والموناد Monad، والمونويد Monoid، مما يعني أنها تبني البيانات وتتلاعب بها من خلال أصناف بنى جبرية Algebraic Data Types-ADTs.&lt;/p&gt;
&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;
&lt;p&gt;احتوائها دوال الرتب العالية High-Order Functions، التي تمثل مفهوم قبول الدالة لدوال أخرى في جسمها، أي بدل أن تكون مدخلات الدالة -مثلا- متغيرات، تكون دالة أخرى قائمة بذاتها، وإذن ممكنٌ إصدار الدالة كمخرج Output. حاولت لغات النموذج الإلزامي محاكاة هذه الفكرة كما حاولت محاكاة غيرها مما لدى هاسكل وسائر النموذج التصريحي، إلا أن تفوق اللغات الوظيفية لا زال ظاهرا.&lt;/p&gt;
&lt;/li&gt;
&lt;/ol&gt;</content:encoded></item><item><title>كيف سقط بلوكتشين التيرا من قيمة سوقية ب60 مليار دولار إلى الصفر في غضون أسبوع؟</title><link>https://qasawa.com/articles/terra-blockchain-collapse/</link><guid isPermaLink="true">https://qasawa.com/articles/terra-blockchain-collapse/</guid><description>نظرية مؤامرة وحيدة قادرة على تفسير الكارثة — بلاك روك وسيتادل وضرب العملة المستقرة UST</description><pubDate>Sun, 17 Mar 2024 00:00:00 GMT</pubDate><content:encoded>&lt;p&gt;كيف سقط بلوكتشين التيرا Terra من قيمة سوقية ب60 مليار دولار إلى الصفر في غضون أسبوع؟ نظرية مؤامرة وحيدة قادرة على تفسير الكارثة&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;في قلب الحي المالي الصاخب في نيويورك، تتمركز جهتان معروفتان ببأسهما الشديد وتأثيرهما الخارق على الأسواق العالمية، وتتفقان على الهجوم على هدف غير تقليدي. بلاك روك Blackrock صندوق التحوط Hedge fund الأضخم في العالم، وسيتادل Citadel، وحش التداول الإلكتروني في العالم، يخططان لضرب بلوكتشين التيرا التي صعدت إلى قمة السوق المشفر بسرعة.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;فخلف أبواب مصفدة، لاحظ استراتيجيو بلاك روك أن بلوكتشين التيرا، بما تملكه من عملة مستقرة خوارزميا UST، لديها ثغرة بالوسع استغلالها. وفي تينك الأثناء، رأتْ سيتادل فرصةً للاستفادة من براحتها التكنولوجية في مناورة غير مسبوقة توجه من خلالها ضربة قاتلة.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;كانت الخطة بسيطة لكنها مليئة بالجراءة، تمركز الصندوقان على مواضع ضخمة في UST وعملة بلوكتشين التيرا المشفرة المعروفة بلونا Luna، تحت غطاء استثمارت متنوعة في السوق المشفر، سيظل تموضعهم خفيا، يساعدهم في ذلك شبكة من الشركات الوهمية ومنصات الاقتصاد اللامركزي DeFi ليتم حجب مسار المعاملات المالية التي يشترون من خلالها.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;ولمَّا اكتملت تموضعاتهم، بدأوا الهجوم خلال فترة من عدم الثقة في السوق، بالتخلص من حصة كبيرة من الUST وبيعها على بورصات مختلفة، لم يكن الهدف فكَّ ارتباط استقرار الUST بالدولار، بل هزَّ الثقة، وضرب الآلية الخوارزمية التي حافظت على ثبات الUST واستقرارها. وفي حين بدأت قيمة الUST ترتعش، دبَّ الرعب في السوق فبادرت روبوتات التداول الآلي والمستثمرون المنكوبون بالبيع، مما خلق حلقة من ردود الفعل التي دفعت بالسعر إلى أسفل أكثر وأكثر.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;أمام أنظار الجمهور ووسائل الإعلام، بدا انهيار UST المفاجئ نتيجةً لخلل في تصميم بلوكتشين التيرا، وخلف الأضواء، كانت بلاك روك وسيتادل قد سخَّروا قوتهم الاقتصادية لفتح الشورت Short على Luna وUST.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;مما نشرته بعض التحليلات التي استندت إلى تحليل مؤامراتي:&lt;/p&gt;
&lt;ul&gt;
&lt;li&gt;بداية قام المهاجمون بشراء مايقارب 1 مليار دولار $UST.
بعد ذلك تم اقتراض 3 مليار دولار من بيتكون تقريباً 75 ألف عملة بأسعار بين 40-38 ألف دولار.
بعد الشراء تم نشر تقارير وتغريدات هدفها التشكيك في قدرة مؤسسة لونا “LFG” بالحفاظ على عملتهم الثابتة في حال هبوط السوق.
عقب نشر هذه الشائعات قام المهاجمون بفتح شورت على البيتكوين وتنفيذ عمليات بيع عالية ومتواصلة بالكميات التي اقترضوها (75 ألف بيتكوين).
في لحظة من اللحظات وبعد 10 دقائق فقط من سحب مؤسسة لونا بعض السيولة من حوض سيولة Curve استعداداً للتصدي لبعض الهجمات انقض عليهم المهاجمون.&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;أفرغ المهاجمون حوض سيولة Curve بسهولة — احتاجوا إلى 350 مليون دولار فقط لفعل ذلك.&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;بعدما تم إفراغ الحوض، باعوا كميتهم التي اشتروها سابقاً من $UST في منصة Binance قرابة 1 مليار دولار مشكلين ضغط بيعي قوي عليها مثل ما لاحظنا البارحة..&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;وتم تصميم نموذج الربط بين $Luna و$UST والحفاظ على مستوى 1$ فقط في حالة وجود 4 مليار دولار سيولة في حوض Curve وليس 350 مليون!!&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;بدأ الناس بالذعر عند اكتشاف أنّ $UST لم يعد قادر على المحافظة على مستوى 1$ والبتكوين يهبط بعنف أيضاً مؤسسة لونا ستضطر لبيع احتياطياتها من البتكوين لإعادة توازن $UST&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;هذا بالضبط ما أراده المهاجمون عند قيامهم بفتح شورت على البتكوين من سعر 40k.&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;بالفعل باعت مؤسسة لونا 42 ألف بتكوين للحفاظ على UST وتم تفريغ الاحتياطيات بالكامل.&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;سعر البتكوين في هبوط متواصل بسبب الذعر بالإضافة لبيوع احتياطيات لونا، أيضاً UST تعاني من ضغوط بيعية من المهاجمين.&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;أصيب النظام بالشلل وانتشر الخوف بين المتداولين مما جعل بعض المنصات توقف تداول UST أسفل 0.70$ في مقدمتهم منصة Binance.&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;استوعبت مؤسسة لونا ما يحدث وأوقفت البيع من بقية الأحواض مثل حوض “AVAX” وتركوا UST يستعيد قيمته من شراء الناس له وعدم إمكانية بيعه تحت 0.70$.&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;هناك شائعات عن اتفاقيات حدثت بالفعل بين صانعي السوق والمنصات لإيقاف كارثة $UST.&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;كل هذا لم يكن ليحدث لو كانت الأحواض ممتلئة كما يجب بالـ 4 مليار دولار وليس سحبها وإبقاء 350 مليون دولار فقط!&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;توقيت الهجوم بعد 10 دقائق من السحب لم يكن مصادفة.&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;صباح اليوم ظهرت جانيت يلين -وزيرة الخزانة الأمريكية- وذكرت ماحدث لـ $UST وأن العملات المستقرة في نمو مستمر ويجب إيجاد طرق لتنظيمها!&lt;/li&gt;
&lt;/ul&gt;</content:encoded></item><item><title>شحذ الهجوم على ديفيد هيوم، هل المعجزات ممكنة حقا؟</title><link>https://qasawa.com/articles/hume-miracles-bayesian-response/</link><guid isPermaLink="true">https://qasawa.com/articles/hume-miracles-bayesian-response/</guid><description>الرياضيات الباييزية تقف سدا منيعا في وجه نقودات هيوم على المعجزات — جرد باييزي رياضي</description><pubDate>Thu, 14 Mar 2024 00:00:00 GMT</pubDate><content:encoded>&lt;p&gt;شحذ الهجوم على ديفيد هيوم، هل المعجزات ممكنة حقا؟ الرياضيات الباييزية (Bayesian) تقف سدا منيعا في وجه نقودات هيوم على المعجزات&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;بالوسع، من خلال الإبستمولوجيا الباييزية، تطبيقُ الرياضيات الخاصة بالتطور الباييزي (Bayesian Updating)، لإعادة النظر في أشهر النقودات على المعجزات&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;يقول في كتابه الشهير (تحقيق في الذهن البشري، 1748):
“إنه لا تُوجَد شهادة كافية لتأكيد وقوع معجزة؛ وما لم تكن الشهادة من ذلك النوع، فإن زيفها (Falsehood) مُعجِزٌ أكثر من الحقيقة التي تسعى لإثباتها”&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;فحجة هيوم الأساسية إذن تتمثل في أنْ لا وجود لشهادةٍ كافية للتأكيد على وقوع معجزة، وأنَّ احتمالية وقوعها قليلة بحيث تكون الشهادة -غالبا- كاذبة.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;فلأبدأْ الآن جردًا باييزيًّا:&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;إذا وقع الحدث W فإن المقاربة الباييزية تسمح لنا بالنظر في الشهادة A، وذا من خلال حساب يستلزم:&lt;/p&gt;
&lt;ol&gt;
&lt;li&gt;الاختمالية المبدئية للحدث الواقع.&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;احتمالية تأكيد الشهادة على أن الحدث وقع، باعتبار أنه وقع حقا.&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;احتمالية أن الشهادة تؤكد وقوعَ الحدث، لكنه لم يقع حقا.&lt;/li&gt;
&lt;/ol&gt;
&lt;p&gt;ولنكملْ الجرد فإنه يكون رائقا لو استوحينا من تحليل اليانصيب (Lottery)، فكرةً هامة، وهي أن احتمالية سحب رقم معيّن قليلة جدا، لكن؛ إذا ما أبلغ مصدر معتبر -مثل جريدة- عن ذلك الرقم، فإننا نميل للتصديق. التحليل الباييزي يدعم هذا الحدس.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;والآن، فلنفترض أنه حتى مع شهادة موثوقيتُها عالية، فإن احتمال حدوث معجزة يظل منخفضا، لكنَّ التحليل الباييزي يتقرح، أننا لو صقلنا زاويةً معرفة بحيث تشمل بعض الاعتبارت الدينية أو الميتافيزيقية، فإن احتمال وقوع المعجزة سيبدأ في الارتفاع.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;هاهنا أستطيع البدء في تغطية الموضوع تغطيةً رياضية:&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;تعريفات:
أ. حدث وقوع المعجزة M
ب. حدث تسجيل شهادة بالمعجزة T&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;سأستخدم الإطار الباييزي التقليدي لإنشاء احتمالية شريطة تستنج أن المعجزات تحدث حقا، ولأبدأْ بتمثيل حجة هيوم:&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;P(M | T) = P(T | M) × P(M) / P(T | M) × P(M) + P(T | ~M) × P(~M)&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;قليلٌ من التخفيف:
P(T | M) ≈ P(~M)&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;ولأن الطرفان يقتربان من القيمة 1؛ يصبح التعبير:
P(M | T) ≈ P(M) / P(M) + P(T | ~M)&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;تتأتى P(M) &gt; P(T | ~M) إذا وفقط إذا كانت P(M | T) &gt; 0.5.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;فالداعم الأساسي في طرح هيوم أن احتمال المعجزة P(M) أقل بكثير من احتمال الشهادات الزائفة، ولتمثيل خفيف:
P(M | الشهادات الكاذبة) &amp;#x3C; 0.5&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;وبالتالي فإنه يستحيل أن نجد حالات تكون فيها
P(M) &gt; P(T | ~M)
وإذن، لا وجود للمعجزات.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;على أية حال، يمكنني باستخدام التحليل الباييزي [Dawid, Gillies]، أن أتحدى ذلك الطرح بشدة، وذا من خلال محاكاة اليانصيب:&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;لتكن P(W) احتمال أن الشهادة تقول بأن رقما معينا قد فاز
لتكن P(L) احتمال أن رقما معينا قد فاز حقا&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;آخذا في الحسبان مصدرًا موثوقا مثل الجريدة، فإن الصياغة البايزيية تصبح:
P(L | W) = P(W | L) × P(L) / P(W | L) × P(L) + P(W | L) × P(L)&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;فإنه وإن كانت P(L) عالية جدا -بمعنى أن الجريدة موثوقة- فإن P(W | L) وإن كانت منخفضة جدا [مثل 1 من المليون] فمن الممكن أن تظل P(L | W) قريبة من 1&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;بتنفيذ القياس الأخير على المعجزات، وبتغيير الخلفية لتعتبر الدين، فإن P(M) -والتي تمثل الاحتمال المبدئي للمعجزة- ستعلو جدا أيضا. وإذا كانت لدينا كذلك شهادة عالية الموثوقية، فإن P(T | M) ستكون أعلى بكثير من 0.5. ماذا يعني هذا؟ يعني أن المعجزة ليست إطلاقا مجرد شهادة غير دقيقة&lt;/p&gt;</content:encoded></item><item><title>الجامعات لا تفرق عن الشركات الاستثمارية</title><link>https://qasawa.com/articles/universities-computer-science-critique/</link><guid isPermaLink="true">https://qasawa.com/articles/universities-computer-science-critique/</guid><description>عن بؤس تدريس علم الحاسوب في الجامعات — واعتراض دايكسترا الشهير على استبدال Haskell بِ Java</description><pubDate>Wed, 31 Jan 2024 00:00:00 GMT</pubDate><content:encoded>&lt;p&gt;الجامعات لا تفرق عن الشركات الاستثمارية، سوى أن الأخيرة لا تعِدُك بشيء بعد أن تشتري، وفي حين أنك تدفع أموالا للجامعة، فإنها تقدم لك وعودا لا تنقطع؛ تحصيل العلم وتحصيل الرزق بذلك العلم، إلا أنها تفشل في ذينك الوعدَيْن، هذا ينسحب عموميًّا على الجامعة من حيث هي جامعة، أما الجامعات العربية فهي تبيعك رخيص العلم بغالي المال، ومن حيث الوعود فهي تقدم وعودا أكبر من أحجامها بكثير&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;الآن، بالنسبة لعلم الحاسوب، فهو من التخصصات التي تُدرَّس بطرائق بئيسة جدا، عربيا أو غربيا أو غيره، أنت أمام تخصص علمي اسمه “علم الحاسوب”، لكن لا علاقة للمواد المُدرَّسة بذلك الاسم، إنما لو سمَّوه هندسة برمجيات Software engineering لكان لائقًا، فهندسةُ البرمجيات التخصصُ الأقل علمية من بين كل فروع علم الحاسوب التطبيقية، لا صرامة رياضية، ولا نظريات علمية تدَّعمه، كذلك لغات البرمجة التي يتم تدريسها، بالغة السوء، شديدة السَّوَءات، قميئة التصميم من الناحية النظرية، وقد كان بالوسع تدريس لغات أنظَف وأرتَب، لكنها التجارة ورائجُ السوق من يقرِّرا، لا العلم ولا النظريات، هاهنا نتذكر اعتراض دايكسترا الشهير عام 2001 على قرار دائرة علم الحاسوب في جامعة تكساس، المفيد باستبدال تدريس لغة الأناقة والصرامة Haskell باللغة التعيسة Java:&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;“إن هذا الخيار ينطوي على مسؤولية عظمى تجاه طلابنا، ولذا فإنه لا يمكن أن يُترك إلى رئيس قسم أو دائرة عشوائي، لكن؛ يجب أن يُفصل فيه من قِبَل مجلس ميزانية الجامعة، هذا شيء لا يمكن تركه إلى الموظفين المدنيين أو السياسيين، هنا، رجال الدولة مطلوبون!”&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;أما عن الجامعات الأوروبية فما أعرفه أنها أحسن حالًا بمستويات كثيرة في الرياضيات والحوسبة من أمريكا، وهنا نستحضر ورقة كتبها دايسكترا (عن حقيقة أن المحيط الأطلسي له جانبان) تحدث فيها عن اختلاف المقاربات العلمية للحوسبة، وأن جانب أوروبا وتحديدا هولندا (يقصد نفسه) أعتى وأرصن وأجرَد من الجانب الأمريكي؛ إذ يعاني الأخير من بؤس في الصرامة الرياضية.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;وفيما بعد سخر أحد علماء الحاسوب الأمريكيين، ألان كاي Alan Kay، مخترع البرمجة شيئية التوجيه OOP، من دايكسترا، وكتب ورقة سماها (عن حقيقة أن أغلب السوفتوير في العالم مكتوبٌ في جانب واحد من الأطلسي)، محاولا الإشادة بأن الحوسبة لا تحتاج رياضيات صارمة. حتى قال عن دايكسترا: “الغطرسة في علم الحاسوب تُقاس بِ_نانو دايكسترا”&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;طبعا، الأمريكان يسخِّفون من كل شيء، ومقارباتهم العلمية تجارية، فهذا ألان كاي يبحث عن التجارة والتربح، وذلك دايكسترا يبحث عن الأصالة العلمية الرصينة.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;عودٌ إلى موضوع الجامعات، مجمل ما أراه أن الجامعة في هذا العصر تعدك بشغل تعيش من وراءه، وفي نفس الوقت تطالبك بأقساط عالية، فإذا استطعت أن تشتغل من غير جامعة، فلا حاجة لك بها، وخفِّض سقف توقعاتك بخصوص أن تجد علما فيها وتستفيد منها، هذا مع التحفظ على خصوصية كل تخصص، وأخيرا، إذا ما أصبحت الجامعة وسيلة للتشدق بالمنصب الأكاديمي، وأن يبرهن المرء على علمه من خلالها، فبؤس المنصب إذَن، وبؤس العلم.&lt;/p&gt;</content:encoded></item><item><title>دردشة وددت أن أقولها قبل تسجيل الخروج</title><link>https://qasawa.com/articles/sixty-thousand-lines-of-code/</link><guid isPermaLink="true">https://qasawa.com/articles/sixty-thousand-lines-of-code/</guid><description>60956 سطرا برمجيا في ست لغات — عن البرمجة والأحلام والاستفحال في غير محله</description><pubDate>Wed, 24 Jan 2024 00:00:00 GMT</pubDate><content:encoded>&lt;p&gt;دردشة وددت أن أقولها قبل تسجيل الخروج&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;كما ترون في الصورة، العدد 60956 يمثل الأسطر البرمجية التي كتبتها منذ اشتريت حاسوبي الحالي قبل سنة بالضبط، في ست لغات برمجية: سي بلس بلس ++C، ورست Rust، وهاسكل Haskell، وجافا Java، وبايثون Python، وجافاسكربت Javascript.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;تتعلق الدردشة بالاشتغال على المشاريع، وقد يتم قياسها على غير المشاريع البرمجية بالطبع. الآن، لغتي الأم هي ++C، أكتب فيها منذ أكثر من 5 سنوات، ورغم ذلك أقيِّم مستواي فيها بِ5/10 [مخترع اللغة بيارن ستروسترب سُئل مرة عن مستواه فقال 7/10]، وهي لغة قبيحة على أية حال ولو عرفت أن فيها كل هذا القبح قبل أن أتعلمها لَمَا تعلمتها أما Java فهي لغتي الثانية وقد تعلمتها في الجامعة، التي لا فضل لها علي إطلاقا، وإنما قالوا ندرّسكم Java، قلت شكرا، توجد الكتب التي تغنينا عن السماع لشرائح البور بوينت التي تجلبونها من الانترنت، وهذه لغة سيئة أيضا، وإن كانت من اللغات القليلة التي تمثل نموذج Paradigm البرمجة الشيئية OO تمثيلا نظيفا وشبه تام، إلا أن عيوبها كثيرة. ثم تأتي Haskell وهي من أصعب اللغات إن لم تكن أصعبها، وهي اللغة الأفخر والأنقى على الإطلاق، ولكنها تعاني من نقص حاد في مجتمعها وعدم اهتمام بها في المجتمع البرمجي، وقد كان لي مشروع منذ سنة ونصف أن أصنع بيئة تطوير برمجية IDE لها إذ ليس لديها واحد، ولكن انشغالات أخرى قَضَت ألا أفعل ذلك. ثم تأتي لغة Python التي تعلمت أجزاء منها أيام الصف الثامن في المدرسة، ولكنني لم أستمر وقتها لذلك تُحسب علي أنني تعلمتها قبل بضعة شهور، وأما القول فيها فهي من أسخف وأسوأ اللغات، مصممها غيدو فان روسم يجهل الكثير من النظريات الحاسوبية التي أدَّت بتصميمه للغة أن يكون تعيسا، ثم تأتي لغة Rust، آخر لغة تعلمتها، والحق أنها جبارة جدا، ومع أنها صعبة إلا أن فيها من الحلاوة النظرية أي في تصميمها نفس وفيها من الوضوح والاتساق والنظافة ما يجعلها تتربع مع Haskell على عرش اللغات. أما Javascript فهي لغة المساكين من القوم، ولم أتعلمها إلا في وقت متأخر بسبب أمور خطرت لي في برمجة المواقع، ولو عرفتْ لتعلمتْ Typescript أو Elm فهما أحسن منها بمراحل.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;الآن، من مجموع الأسطر هذه، التي أغلبها لا أنشره على حسابي في غت هب Github هنالك ما يزيد عن 15 ألف سطر لمشاريع كنت أبدؤها ولا أنهيها، ولمشاريع فشلت، ولمشاريع أنهيتها ولكن لم أطْلقها لأنني رأيت لاحقا أنها غير مناسبة ولا تصلح للنشر.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;فما العبرة؟ العبرة أن عالَم البرمجة وسيع جدا، وأن أفلام زفت لوود والقصص التي يضحك بها عليكم خالطو التنمية البشرية بالبرمجة، وقصص بل غتس و إيلون مَسْك وجوبز وعدِّدْ ما شئت من الأسماء، كلها، في السياقات التي يتم تسويقها فيها، ليست إلا غبارا يؤذي العينين ولا يحسن قدرتها على النظر، فالبرمجة ليست الحل السحري لمشكلاتك المادية، ولا هي بالحل الذي تُشعِر به الناس أنك ذكي ومختلف عنهم، وإنما هي صنعة تدرسها وتمارسها كأي شيء آخر، وعادي جدا، وارد أن يكون راعي غنم أصفى ذهنا وأذكى حسا من 50 مبرمج متصنع تجمعُهم في حاوية قمامة، أضف على ذلك، أن تحقيق الأحلام، لا طريق مختصرة إليه، لأنه من اسمه حلم، ولن يكون واقعا حتى يثبت العكس، وأَوْجَبُ الناس بالتقريع هنا هم النصابون منعدمو الذكاء من أصحاب الدورات والورشات البرمجية، وينسحب على هذا دكاتير الجامعات، وأود أن أقول كذلك أن الاستفحال في غير محله ليس إلا إستروجينا مرتفعا ولكن بصوت خشن، فلا يُغرر أحدهم بنفسه بتوهم أمور بثها في رأسه التسويق الإعلامي اللعين الذي يخرب عقول الناس ويفسد أفئدتها.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;أما عني فلستُ أستلذ كثيرا في البرمجة، وإنما يهمني علم الحوسبة النظري أكثر، وما تعلمته وأتعلمه إنما جزء منه بدافع الفضول والجزء الآخر كي أمحي عن نفسي الجهالة في حقول الحوسبة التي لا تعنيني، في حين أركز أكثر على ما يعنيني منها.&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;كنت أود أن أطرح أفكارا مفاهيمية أكثر لكن هذا ما نتج معي، لعلنا نستكمله عند العودة، ودمتم بخير.&lt;/p&gt;</content:encoded></item><item><title>بدأ صاحب الفيديو مقطعَه تحت قناة معنونة فلسفة</title><link>https://qasawa.com/articles/free-will-critique/</link><guid isPermaLink="true">https://qasawa.com/articles/free-will-critique/</guid><description>نقد لفيديو يدعي إثبات وهم الإرادة الحرة — خلط بين الفيزياء الكمومية وصناعة القرار وعلم الأعصاب</description><pubDate>Wed, 10 Jan 2024 00:00:00 GMT</pubDate><content:encoded>&lt;p&gt;بدأ صاحب الفيديو مقطعَه تحت قناة معنونة “فلسفة” بقوله:
“أريد أن أحاول أن أثبت لكم لماذا مفهوم الإرادة الحرة مفهوم غير منطقي وأنه بالفعل عبارة عن خرافة توارثتها البشرية لآلاف من السنوات وهو أن الإرادة الحرة شيء مكون لنا بينما هي في الأصل وهم موجود في عقولنا وليس له أي أساس منطقي”&lt;/p&gt;
&lt;p&gt;والحقُّ أنه لم يفشل في إثبات أن الإرادة الحرة وهم، بل كان الفيديو خاصته مجرد عرض لما ورد هنا وجاء هناك، تجميع لمعلومات مبعثرة من غير ترتيب وإلقاءها في آذان المشاهدين، وذا العرض للمدارس العلمية والمذاهب الفلسفية كان مُخلِّا إلى أبعد الحدود بل ومُعيبًا لمن يُعرِّف عن نفسه أنه “خريج أوكسفورد”، وبذا نبدأ بقليل من المرح نتناول ما قاله، وليس هاهنا البتة تبيانٌ لرؤيتي في هذي المسائل، كل ما سوف أفعله أن أبين الأغاليط التي وقع فيها&lt;/p&gt;
&lt;ol&gt;
&lt;li&gt;
&lt;p&gt;سحب المتحدث -بشربة ماء- الفيزياء الكمومية على ظاهرة صناعة القرار عند الإنسان، دون أن يسرد حجة واحدة عن الموضوع أو أن يبني نظاما سرديا يبيِّن كيف يتدخل الميكانيك الكمومي في موضوعه المطروح، وكأنه يتوهم إثبات وهم الإرادة الحرة من خلال الزج بكلام مثير للمشاهدين، إلى الحد الذي قد يجعل قطة شرودنجر تدوخ، فذا المنحى الذي نحاه -أي تبسيطه للميكانيك الكمومي - يشبه كثيرا استخدام التيليسكوب لقراءة جريدة! وفي حين قد يورث ذلك بعض الجهال من المتابعين قليلا من المتعة، إلا أنه ليس الأداة المثلى أو الرئيسة في المحاججة في هكذا سياقات&lt;/p&gt;
&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;
&lt;p&gt;استخدم التشبيهات والقياسات على عالَم الحيوانات لكي يفحص موضوع صنع القرار لدى الإنسان، وفي حين يبدو هذا جميلا، إلا أنه كذلك بعدٌ عن صلب المسألة المثارة واحتجاج بسيولة الماء على غرق من لا يجيدون السباحة&lt;/p&gt;
&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;
&lt;p&gt;أتى المتحدث مرتين على الاستشهاد بآينشتاين في مسألةٍ حاميٌ وطيسُها في الفلسفة! وكأنه في دقائقه ال33 التي أطل علينا فيها على يوتيوب قد عَدِمَ شوبنهاور وهيوم ومدارس فلسفة العقل ليأتي باقتباس عن آينشتاين قاله معبرًّا عن نفسه وليس في جذب واجتذاب لأطروحة فلسفية، فما وزن أن تستشهد -مرتين- ب”اقتباس” عن آينشتاين في فيديو تدعي أنك ستبين لمشاهديه وهم الإرادة الحرة!&lt;/p&gt;
&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;
&lt;p&gt;استرسل صاحب الفيديو في علم الأعصاب بحماسة طفولية لا تنبئنا إلا عن اطلاعه السطحي عليه، فهو قد أتى بتفسيرات على دراسات منحازة تماما إلى كفة الحتمية Determinism، وكأن كل مبحث علم الأعصاب مصبوب في الحتمية، فأنت هنا تنتقي “بعضا” من الدراسات وليس هذا موقف علم الأعصاب من الموضوع، إذ لم تأتِ حتى على مقاربة علمية أو حتى تاريخية للجدل الدائر في الدوائر العلمية هناك&lt;/p&gt;
&lt;/li&gt;
&lt;li&gt;
&lt;p&gt;حينما وصل به الفيديو إلى نظام العدالة، أشعَرَ المتابعين بأنه سوف يفك شيفرة من الشبكات بالغة التعقيد، وكأنه سيحل مكعب روبيك معصوب العينين، ففي حين أن فكرة الحتمية قد تقود إلى مزيد من التعاطف على حد زعمه في العدالة الجنائية، فإنها مجازفة خطيرة وقع فيها خالطًا بين الإرادة الحرة، المسؤولية، والقوانين.&lt;/p&gt;
&lt;/li&gt;
&lt;/ol&gt;
&lt;p&gt;عموما، يمكن للمرء أن يتحدث في موضوعات معينة من غير أن ينفخ بالونه أكثر مما يحتمل؛ لأنه سينفجر في النهاية، فالرجل بدأ الفيديو مدعيا أنه سيثت أن الإرادة الحرة وهم، لكنه لم يثبت إلا فشله في ذلك، بل وحتى فشله في عرض السياقات العلمية والتاريخية بصورة محترمة&lt;/p&gt;</content:encoded></item></channel></rss>